إنريكو فيرمي مُكتشف الإنشطار النووي

  أعلام لا توجد تعليقات

إنريكو فيرمي ولد في روما بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 1901 وتوفي في شيكاغو بتاريخ 28 نوفمبر 1954 إثر سرطان المعدة، وهو فيزيائي إيطالي أمريكي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1938، وكان ضمن الفريق الذي أنتج أول مفاعل نووي وأول قنبلة نووية، وقام بإرساء نظرية الكَم (Quantum Theory)‏.

توطئة

في صباح الثاني من كانون الأول/ديسمبر عام 1942، تجمع بعض العلماء في ثياب عملهم المسودة بغبار الجرافيت حول كومة ضخمة من مادة أشبه ما تكون بقوالب الفحم. وكانت الكومة تملأ القسم الأكبر من غرفةٍ واسعةٍ، وتكاد تصل إلى سقفها البالغ ارتفاعه ثمانية أمتار. وكان يغطي الجدران والسقف وأرض الغرفة مادة دهنية حالكة السواد.

فيما مضى كانت هذه الغرفة الواقعة، تحت مدرج ملعب كرة القدم المعروف باسم ستاج فيلد، ملعباً يؤمه طلاب جامعة شيكاغو للعب السكواش. وأما الآن فقد أضحت ساحة السكواش مقراً لسر من أهم أسرار الحرب العالمية الثانية: الكومة الذرية الأولى (المفاعل النووي). وكان قد مضى وقت طويل على كبار العلماء في الولايات المتحدة وأوروبا وهم دائبون على العمل فيها.

في ذلك الصباح، انصرف طلاب الجامعة وأستاذتها إلى واجباتهم المعتادة، غير واعين للحادث الحاسم الوشيك الوقوع في ملعب السكواش. الحادث الذي سيتبين منه العلماء ما إذا كان بوسع الإنسان إطلاق طاقة ذرية بصورة متواصلة، وما إذا كان بوسعه السيطرة عليها في حال إطلاقها. وأخذت كومة قوالب الجرافيت المشتمل بعضها على اليورانيوم تكبر شيئاً فشيئاً. فاليورانيوم المنشطر سيطلق حسب تقدير العلماء تفاعلاً متسلسلاً متزايداً في حدته لدى وصول الكومة حجماً معيناً. عندئذٍ، ستتوفر للإنسان ولأول مرة طاقة هائلة غير مستمدة من الشمس.

واعتقد العلماء أنه سيتسنى لهم السيطرة على حدة التفاعل المتسلسل وتذليله لخدمتهم. وقد أشارت حساباتهم وقياستهم إلى أن ذلك ممكن، بيد أنه لم يكن في مقدورهم الجزم جزماً باتاً بما قد يحدث في ذلك اليوم، كانوا على وشك القيام بعملية لم يقم بمثلها أحد من قبل.

وهذا يفسر لمّ جثم ثلاثة رجال في مقتبل العمر على منصة عالية تطل على الكومة. وقد أطلق عليهم بمزيج من الدعابة والجد لقب “فريق الانتحار” لأنه ترتب عليهم غمر الكومة بمحلول الكاديوم، في حال عدم تمكنهم من السيطرة على التفاعل المتسلسل. وقد اتخذ هذا التدبير من باب الحيطة والحذر.

وكانت علامات التوتر تبدو على الرجال المجتمعين في ملعب السكواش السابق، بخلاف رئيسهم، أنريكو فيرمي. فقد كان ذلك الرجل الممتلىء الجسم القصير الساقين ذو الملامح الحساسة والعينين النافذتين يواصل أعماله بكل صبرٍ وتبصر. وكان، بين الفينة والأخرى، يتفقد الآلات المسجلة لنشاط الكومة الأشعاعي، ومن ثم يسحب مسطرته الحاسبة التي كان يحملها دوماً معه، فيجري بعض الحسابات.

وكان لا يساور فيرمي أدنى ريب في أن حساباته الرياضية مضبوطة وأن الكومة ستقوم بالدور الذي تنبأ به. وكان ثمة ما يبرر ركون هذا الرجل، الملقب بالبابا أو “الأميرال” من قبل العلماء الذين يشتغلون تحت إشرافه، إلى حكم رأيه الخاص. فقد دلل المرة تلو الأخرى على مقدرته في رد أكثر المسائل تعقيداً إلى أصولها ومن ثم التوصل إلى الحل الصحيح، وقد برهن على تضلع فائق في كل من الفيزياء النظرية والتجريبية، وذلك ما لا يستطيع إدعاءه أي عالم فيزيائي معاصر. وقد بلغت اكتشافاته في الذرة حداً من الأهمية والتشعب حتى أن تاريخ حياته يشكل إلى حد بعيد تاريخ الطاقة الذرية.

الطفولة

لم يكن أنريكو فيرمي في طفولته من ذوي المواهب الخارقة. فقد اعتبرته معلمة صفه الثاني تلميذاً بليداً نوعاً ما. وكانت قد طلبت إلى الصف ذات مرة ذكر بعض أشياء مصنوعة من الحديد. وكان أنريكو قد لاحظ وهو في طريقه إلى المدرسة لافتة تقول: “معمل أسرّة حديدية”، فكتب: “نصنع من الحديد بعض الأسرّة”، وقد دلت كلمة بعض في هذه الجملة على إدراكه أن الأسرّة لا تصنع كلها من الحديد، غير أن معلمته لم تتبين ذلك، فأعطته علامة منخفضة جداً، وطفقت والدة أنريكو تقلق بشأن ذكاء ابنها. فكثيراً ما كان في أيام حداثته الأولى يساء فهم مقدرة فيرمي على الدقة في التفكير ورغبته في استقصاء الأمور حتى الجذور، وتجريدها من القشور العالقة بها.

وكان أنريكو فيرمي في صباه ذا طبيعة خجولة وميل إلى التفكير، وكان أصغر أولاد عائلته. وكان والده “ألبرتو” ينتمي إلى أسرة مارست الزراعة أمداً طويلاً، غير أنه كان أول من غادر بيته للبحث عن عمل آخر، وعلى الرغم من أنه لم يحصل على شيء يذكر من التعليم العالي، إلا أنه أصبح يشغل منصباً إدارياً في إحدى شركات السكك الحديدية وهو منصب على جانب من الأهمية. وتزوج معلمة في مدرسة ابتدائية تُدعى “أيدا دي جانيس”، واستقرا في روما لتربية أسرتهما المؤلفة من ثلاثة أطفال – ماريا وجوليو وإنريكو.

وبما أن ألبرتو وزوجته أيدا كانا يعملان كلاهما، لم يكن بوسعهما تربية ثلاثة من الأطفال، ولذلك أُرسل جوليو وإنريكو إلى الريف، حيث عهدا برعايتهما إلى مربية. ولم يعد أنريكو إلى البيت إلا بعد بلوغه السنتين والنصف من العمر، إذ أنه كان طفلاً ضعيف البنية. ولا تزال شقيقته تذكر كيف راح يبكي بكاءً متواصلاً في اليوم الأول الذي قضاه في البيت. ولعل السبب في ذلك أنه افتقد مربيته والبيت الوحيد الذي عرفه حتى ذلك الحين. غير أن والدته خاطبته بكل حزم وطلبت إليه أن يكف عن بكائه. ففعل كما طلبت، ومن ذلك الحين فصاعداً، انصاع إلى حكمها، إذ كانت حازمة صارمة.

وكان الشقيقان أنريكو وجوليو الذي يكبره بسنة واحدة، لا يفترقان مطلقاً. فكان الإثنان على جانب من الذكاء، وكانا مغرمين بالقيام بالأعمال نفسها. وكان يستهويهما صنع آلات الطيارات خصوصاً، فكانا يصممان المحركات ويركبانها – محركات تعمل فعلاً. وكانت تصاميمهما ونماذجهما مبعث دهشة لمن يشاهدها من الكبار، إذ لم يكن يبدو عليها إنها مجرد عمل أولاد.

ولم يكن جوليو خجولاً على شاكلة إنريكو، فقد كان مرحاً، سمح الفؤاد، ما جعل الجميع يميلون إليه. ولكن لم يقم أي منهما، صداقات في المدرسة، إذ لم تكن لديهما الحاجة إلى ذلك.

وفاة جوليو

وعندما كان أنريكو في الرابعة عشرة من عمره حلت بالأسرة مأساة، إذ توفي جوليو في أثناء عملية جراحية بسيطة أجريت لحلقه. فلم يعرف أحد، بما في ذلك الطبيب نفسه، السبب في وفاته. وأخذت السيدة فيرمي تنتحب انتحاباً لا يقبل العزاء أو السلوى. ولم يكن في طاقة أنريكو البكاء فقد فقد بموت شقيقه الصديق الأوحد الأعز، وكان كل ما يشاهده أو يغرم بعمله يعيد ذكرى شقيقه إلى ذهنه.

وذات يوم، وكان قد مر أسبوع على وفاة جوليو، مر أنريكو بالمستشفى. وكان كل ما فعله هو أن مر بمحاذاته. إذ كان راغباً في أن يرى ما إذا كان باستطاعته ضبط مشاعره لدى مشاهدته المكان الذي قضى جوليو نحبه فيه.

الشغف بالفيزياء

انكب أنريكو على الدراسة، فبدأ بالرياضيات ثم تلاها بالفيزياء، وكان يطالع باستمرار. فلم يكن ليهدأ له بال إلا حين يجد تعليلاً لما يشاهده من أشياء باعثةً للحيرة – حركة “البلبل” مثلاً، فكان يتساءل ما الذي يجعل القسم العلوي من البلبل يدور في شكل دائرة عندما يبطىء الحركة.

وذات يوم وجد أنريكو صديقاً له في المدرسة ذا اهتمام كذلك بالعلوم، ويدعى أنريكو برسيكو. فراحا يعالجان مشكلة البلبل معاً، ولم يكن لهما من حديث سوى ذلك على مدى أسابيع. وكانا يجهلان المعادلتين القادرتين على اسعافهما بالحل. فلجئا إلى معلوماتهما المحدودة في الميكانيك، وراحا يتعثران بحل المسألة حتى توصلا وحدهما إلى وضع القوانين الطبيعية التي تسير وفقها البلابل أو أي جيروسكوب كان.

وقد قام أحد أصدقاء والد فيرمي بتنمية ميل أنريكو الشديد إلى الفيزياء وتوجيهه. فحث إنريكو على التقدم بطلب منحة إلى مدرسة في بيزا للطلاب المتفوقين. ففاز بها بكل سهولة. وتوجه إنريكو البالغ سبعة عشر عاماً من العمر إلى بيزا تاركاً وراءه الجو القاتم الذي خيم على الأسرة منذ وفاة جوليو.

وكان فيرمي سعيداً في مدرسة أسكولا نورماليه سوبريوريه “المدرسة الثانوية العادية” المعروفة في إيطاليا باسم “لا نورماليه” في بيزا. وفي أثناء إقامته في المدرسة تعرف إلى فرانكو راسيتي وتوثقت بينهما أواصر صداقة دامت مدى الحياة. وكان راسيتي طالباً متفوقاً كذلك، ذا مواهب عظيمة في علم الأحياء. غير أنه كان يدرس الفيزياء كصديقه فيرمي. والسبب في ذلك أنه وجد الفيزياء موضوعاً صعباً للغاية وأراد أن يثبت لنفسه بأن في مقدوره تذليل الصعاب أياً كان نوعها.

وفي بيزا، حيث عاش غاليليو في وقت ما، استوعب فيرمي وراسيتي قدراً كبيراً من الفيزياء، ولكن خارج الصف. وما لبث فيرمي أن تبين أنه قد أصبح ملماً بمعظم المادة التي تشتمل عليها مواضيع درسه. ولحسن الحظ. أسند إليه أستاذ الفيزياء مهمة إدارة المختبر، فشرع فيرمي بدراسة نظرية المقدار وحده.

وما لبثت معلومات فيرمي أن توسعت حتى فاقت معلومات أستاذ الفيزياء. وذات يوم قصد الأستاذ فيرمي وطلب إلى الطالب الشاب أن يشرح له نسبية أينشتاين. وخاطبه إذ ذاك الأستاذ قائلاً: “أنني مغفل. غير أنك تفكر تفكيراً سليماً واضحاً وباستطاعتي دائماً تفهم الأمور عندما تشرحها أنت”. وبهذا الذكاء الحاد تمكنَّ فيرمي من الالتحاق ببرنامج الدكتوراة تحت إشراف الأستاذ بوتشيانتي.

وشرع فيرمي يكسب عيشه كأستاذ عام 1914، فراح أول الأمر يدرّس الرياضيات في جامعة روما، ثم انتقل إلى فلورنسا، حيث واصل التعليم بينما كان يشتغل على أحدى النظريات.

ونال فيرمي درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف في عام 1922 وهو في الحادية والعشرين من عمره. وقبل أن يحوز على الدرجة، كان عليه أن يتكلم في موضوعه أمام أحد عشر ممتحناً. وحين شرع فيرمي يسترسل في الحديث أخذ الممتحنون يتثاءبون وعلامات الدهشة بادية على وجوههم وانظارهم شاخصة إلى ذلك الطالب والحيرة آخذة منهم كل مأخذ. إذ كان جلياً واضحاً أنهم ما كانوا يفقهون شيئاً عمّا كان الفتى الشاب يتحدث عنه.

السفر إلى ألمانيا ثم هولندا

وعلى الرغم من تفوق فيرمي المنقطع النظير في المدرسة، لم يكن يملك وسيلة تمكنه من معرفة إمكاناته العلمية بالنسبة إلى إمكانات العلماء الاخرين في البلاد الأخرى. ولعدة سنوات خلت لم تكن إيطاليا قد أنجبت فيزيائيين مرموقين، ولم يكن في الجامعات الإيطالية وفرة من أساتذة الفيزياء القديرين. ولهذا فكر في السفر إلى ألمانيا

في العام التالي، أي في عام 1923، حصل حتى على زمالة روكفلر التي منحته عدة أشهر للعمل مع الفيزيائي الشهير ماكس بورن في جوتنجن بألمانيا.

وكان فيرمي الإيطالي الوحيد الذي كان يدرس الفيزياء في جوتنجن، فشعر بالغربة وعاوده ذلك الخجل الذي كان يتصف به في أيام حداثته. ولسوء الحظ، لم يكن في وسع حدس فيرمي إذ ذاك أن يهديه إلى ما كشف عنه بورن بعد مضي ثلاثين عاماً، وهو أن الأستاذ العلامة كان يشعر بالرهبة لدى سماعه ملاحظات الإيطالي الشاب النافذة، وإزاء مقدرته البارزة، وأن نفسه لتطيب لو أن تلميذه فيرمي قد اختصه بربتة استحسان على ظهره.

بعد إتمامه زمالة روكفلر بنجاح، عاد فيرمي إلى إيطاليا لبضعة أشهر ومن ثم انتقل فيرمي إلى ليدن للعمل مع بول إهرنفست في عام 1924. وهناك أسرَّ الأستاذ الضليع بول إهرنفست إلى فيرمي بأن لديه مقومات الفيزيائي القدير. وكان ذلك هو التأكيد الذي يطمح فيرمي إليه.

العودة إلى إيطاليا

وعاد بعد ذلك إلى إيطاليا بين عامي 1924 و1926 لتولي منصب محاضر في الفيزياء والميكانيكا الرياضية في جامعة فلورنسا. وكان أستاذاً شاباً في الرابعة والعشرين من عمره.

وقبيل ذلك كانت قد تفتحت آفاق جديدة في عالم الفيزياء. فكان فيرمي قد طالع بكل اهتمام الاكتشافات المتعلقة بطاقات الذرة والدقائق المشكلة لها، فقام على الأثر باستنباط نظام رياضي يصف حال الجزئيات في غاز مثالي ويتكهن به. وقد أدى عمل فيرمي إلى تفهم التوصيل الكهربائي في المعادن، كما أن نظامه الرياضي، أو بالأحرى إحصاءاته أصبحت أداة قيمة في الفيزياء . ولو شاء لاستطاع قضاء بقية حياته في إستخدام هذه الإحصاءات لحل مسائل متنوعة، إلا أنه آثر على ذلك الانتقال إلى آفاق جديدة.

في عام 1926، اكتشف إنريكو فيرمي القوانين الإحصائية التي تحكم الجسيمات الخاضعة لمبدأ استبعاد باولي. تُعرف هذه القوانين الآن بإحصاءات فيرمي. تُعرف هذه الجسيمات الآن باسم الفرميونات التي تتناقض مع البوزونات التي تخضع لإحصائيات بوز-آينشتاين.

حين أُطلع أرسو كوربينو، العضو في مجلس الشيوخ ورئيس قسم الفيزياء في جامعة روما، على نظرية فيرمي الإحصائية أتخذ خطوات فورية. إذ كان كوربينو رجلاً يحمل رسالة ترمي إلى جعل جامعة روما مركزاً عالمياً لدراسة الفيزياء. فرشحه لعضوية هيئة التدريس، وتم انتخاب فيرمي أستاذًا للفيزياء النظرية في جامعة روما في عام 1927. وقد احتفظ بهذا المنصب لما يزيد قليلاً عن عقد قبل أن تغير الأحداث السياسية العالمية حياته بشكل كبير إلى الأبد.

ولقد كان أرسو كوربينو، الفيزيائي الوحيد المرموق الذي برز في إيطاليا على مدى قرن من الزمان، وكان يدرك بمرارة مبلغ التدني العلمي في دائرة الرياضيات التي يرئسها، فكان دائب البحث عن أساتذة لامعين. فوظف صديق فيرمي الجامعي، فرانكو راسيتي.

وقد أحسن كوربينو الاختيار. فسرعان ما أخذت شهرة فيرمي تذيع وراحت صفوفه تجتذب الطلاب. لقد كان بمقدور الأستاذ الشاب إرجاع النظريات المعقدة إلى مبادئها الأولية وشرحها بعبارات بسيطة. وكان أحياناً، في خلال اجتماعات الصف غير الرسمية، يطرح على بساط البحث إحدى العمليات التي صادفته في عمله الخاص. وباستخدامه اللوح الأسود، كان يوضح كيفية انتقائه العوامل الأساسية في مسألة ما، وحذفه للبعض الآخر. وبهذه الطريقة، كان يتسنى للطلاب أن يشاهدوا بأنفسهم طريقة معالجة العالِم للمسائل.

حياته الخاصة

وكان فيرمي يراعي دوماً تخصيص بعض وقته للرياضة. فقد كان يؤمن بضرورة تخصيص بعض الوقت للعمل، وبعضها الآخر للرياضة. فمن الأمور الجوهرية في الحياة أن يحافظ المرء على حال صحية جيدة وأن يبذل مجهوده حيث يؤتي ثماره. ولم تكن القضايا الميئوس منها التحرك لديه ساكناً كما لم تستهوه التأملات الفكرية المجردة. فما كان ليهتم بغير إنجاز الأعمال، فقد كان شاباً منطقياً واقعياً.

وكان من بين رفاقه، في رحالات السير وتسلق الجبال التي استمتع بها، طالبة في الجامعة تدعى لورا كابون، وكانت لورا قد قابلت فيرمي لأول مرة حين كان في الثانية والعشرين من عمره وكانت هي في السادسة عشرة. وقد بدا لها إذ ذاك أنه بالغ التقدم بالسن. وأما الآن فكان قد أصبح أستاذاً بينما كانت هي لا تزال طالبة. ولشد ما كانت دهشة لورا حين تبين لها أنه لا يزال بإمكانهما تبادل الأحاديث والنكات فيما بينهما.

وتم زواج لورا وأنريكو عام 1928. وقد كشفت السيدة فيرمي فيما بعد بأن أنريكو كاد يصل إلى حفلة الزفاف متأخراً. ففي حين كانت هي بانتظاره كان هو في بيته يخيط، إذ اكتشف في آخر لحظة أن كمي قميص العرس الجديد أطول مما ينبغي. وعلى مألوف عادته، حلل الموقف وراح يقوم بما يمليه عليه منطقه بالبحث عن ماكنة واستعمالها لتقصير الكمين. وقد وصل في آخر لحظة إلى بيت لورا لإقامة حفلة الزفاف.

وبعد انقضاء سنوات عديدة على هذا الحادث كتبت لورا فيرمى كتاباً عن حياتها مع الفيزيائي العظيم. وجعلت عنوان الكتاب الذرة في العائلة، سردت فيه عدداً من القصص الممتعة والمثيرة عن زوجها وعن عمله وعما تكون عليه الحياة مع رجل يكاد يكون دوماً على صواب في حكمه على جميع الأمور.

عندما بلغ فيرمي الثامنة والعشرين من عمره وقع عليه الاختيار ليمثل الفيزياء في أكاديمية إيطاليا الملكية الحديثة العهد، وكان ذلك بمنزلة شرف عظيم لشخص في مثل حداثة سنه. لقد أصبح الآن حاملاً للقب “صاحب السعادة”، إذا ما راق له استعمال اللقب. وأما فيرمي الواقعي فلم يأبه للقب مطلقاً، بل راح يسأل: وما يجديني مثل ذلك اللقب؟ فإن حدث وسألني كاتب يقوم بخدمتي من أكون، واجبته بأنني “صاحب السعادة فيرمي” فإن جوابي سيبدو في منتهى السخف. وأنني لعلى يقين كذلك بأنني لن أحظى بخدمة أسرع. وفي هذه الحقبة من حياته، كان فيرمي منصرفاً إلى دراسة نظرية السلوك إحدى الدقائق في المجال الكهربائي لدقيقة أخرى. وفي عام 1932 تحول اهتمامه إلى حقل آخر جديد، حقل الفيزياء النووية. فأكمل عقب ذلك بسنتين نظريته في إنحلال البيتا (Beta Particle)، التي يعتبرها الفيزيائيون ضرباً من ضروب العبقرية الفذة.

إنريكو فيرمي ونظرية تحلل جسيمات بيتا (β)

تُعلل هذه النظرية السبب في تفكك النواة ذات النشاط الإشعاعي لدى إنطلاق إلكترون (دقيقة بيتا) ودقيقة أخرى تدعى النوترينو. لقد تركت نظرية البيتا ثراً عميقاً في الفيزياء النووية، ولكنها، على غرار نظرية فيرمي الإحصائية، تكاد تكون مجهولة خارج دنيا العلم. والسبب في ذلك أن كلتا النظريتين متقدمتان للغاية حتى أنهما لا تعنيان شيئاً ما خارج دنيا الفيزيائيين، بل أن الفيزيائيين أنفسهم قد وجدوا في أول الأمر صعوبة في تفهم نظرية إندثار البيتا، لأن الأفكار التي انطوت عليها كانت غير مألوفة بالمرة.

ويوضح تاريخ نظرية إندثار البيتا ما يسميه أحد الفيزيائيين “حدس فيرمي الحاذق” ومقدرته على البت في أي النتائج التجريبية كان مضللاً، وأيها فرض ضرورة طرح نظرية قديمة جانباً واستنباط نظرية جديدة أخرى. ويصف فيرمي في نظريته لانحلال البيتا مسلك شتى الدقائق النووية وطاقاتها. ولم يكن يعرف عن النواة سوى القليل حين استنبط فيرمي نظريته، وكانت أوصافه مرتكزة، لا على أبحاث المختبر، بل على حسابات رياضية وعلى ضرب من ضروب الحدس.

ولكن بعد ظهور نظرية فيرمي، شرع العلماء بإقامة التجارب على إنحلال البيتا وجمع المعلومات عنها. وبعد مضي عشرين سنة ظن العلماء بأنهم أضحوا يعرفون ما يكفي لدحض نظرية فيرمي.

وأما فيرمي فلم يوافقهم على ذلك. فكان يقول: “إن هذه التجارب مضللة، فهي ليست من الدقة بحيث يمكن اعتبارها محكاً جازماً لنظريتي”. ولم يكف عن الاعتقاد بأن الأيام ستبثت أنه مصيب في النهاية.

وكان ذلك عين ما حدث، فقد استمر العلماء يصوغون نظريات جديدة حول النواة والتدقيق فيها عن طريق التجارب التي راحت تزداد دقة وإحكاماً. وفي عام 1957 توصل العلماء إلى تفهم شامل لانحلال البيتا، ولشدّة ما كان استغرابهم حين أبدت نتائج دراساتهم “حدس فيرمي الحاذق“. فباتوا اليوم يسلمون بنظريته في إنحلال البيتا من حيث مبادئها الأساسية.

وأما في سنة 1934 فإن الآراء المنطوية عليها نظرية فيرمي قد اعتبرت من الجِدة بحيث رفضت أحدى المجلات العلمية المهمة نشرها. وعليه قرر فيرمى بأن الوقت مؤاتٍ لطرق باب جديد، وكان ذلك شيئاً طالما رغب في القيام به.

ففى سنة 1934 أدرك الفيزيائيون ضرورة الحصول على معلومات أكثر ثباتاً عن نواة الذرة، إذ أن من الصعب أن يقوموا بصياغة نظريات إضافية ما لم تكن النواة قد درست عن طريق عدد كبير من النظريات الأخرى. واستفز فيرمي ذلك النطاق الجديد في عالم الفيزياء. لقد كانت تجول في ذهنه سلسلة من التجارب، ولم يكن ليرغب في الانتظار ريثما يقوم شخص مدرب في عمل المختبر بجمع المعلومات اللازمة. وعليه، وعلى الرغم من أن عمله حتى ذلك الحين كان يقتصر بوجه عام على الورق، فإن فيرمي قد قرر أن يجري التجارب بنفسه. فكان بعمله هذا أشبه بمحام ينصرف إلى دراسة الطب كي يحصل على المعلومات الطبية التي تلزمه لكسب قضية.

وطفق فيرمي يبني عداد جايجر Geiger – إذ كان ابتياعه متعذراً في ذلك الحين، ويعد العدة للقيام بتجاربه. وكان قد قرأ عن اكتشاف مهم قامت به إيرين، ابنة مدام كوري، بمساعدة زوجها، فردريك جوليو فكوّن فيرمي بعض الآراء الشيقة حول اكتشافهما.

إن ما حققه الزوجان (جوليو – كوري)، كما كانا يُدعيان، هو قذف الألومنيوم بدقائق ألفا تخترق نواة ذرات الألومنيوم، كانت دقائق من نواة تنطلق إلى الخارج بعنف، فيتحول الألومنيوم إلى عنصر آخر غير ثابت وذي نشاط إشعاعي. ولأول مرة كان قد تم إحداث النشاط الإشعاعي إحداثاً صناعياً. وأمعن فيرمي التفكير في هذه التجربة. كان يعرف أن لدقائق الألفا محاذير عديدة إذا ما استخدمت كقذائف ذرية. فهي نظراً لتضمنها شحنة كهربائية موجبة تنجذب إلى الالكترونات المحيطة بالنواة والمشحونة شحنة سالبة، وتنفر من النواة ذات الشحنة الموجبة، التي تشكل الهدف. وعليه فإن عدداً يسيراً فحسب من دقائق الألفا تصل إلى النواة وتنفذ إلى داخلها.

وأجال فيرمي التفكير، فحدثته نفسه أنه قد يكون هنالك دقائق أخرى ربما أدت إلى نتائج أفضل. فمنذ سنتين كان جيمز شادويك قد اكتشف النيوترون، وهي دقائق توجد في النواة وليس فيها شحنة كهربائية إطلاقاً. وراودته فكرة الاستعاضة عن دقائق الألفا بالنيوترونات لقذف العناصر بها، فإن فعل ذلك يكون احتمال إصابة الهدف أقرب إلى النجاح. ولعله يتوصل إلى نتائج شيقة للغاية.

وكان على فيرمي أن يقوم بأعمال مختلفة قبل أن يشرع بالتجارب. ففي أول الأمر ينبغي أن يكون لديه مصدر للنيوترونات. ولحسن الحظ، استطاع أن يستعير غراما من الراديوم من مكتب الصحة العامة في روما، فغدا بإمكانه مزج غاز الرادون الذي يطلقه الراديوم بالبريليوم لاستخراج النيوترونات. وكان يحتاج كذلك إلى عينات من العناصر التي كان يريد قذفها بالنيوترون. فاضطر إلى القيام بجولة على الأسواق، العمل الذي لم يكن يروق له على الأطلاق. ولكن ما لبث أن أصبح لديه قبل مضي وقت طويل فريق من العلماء راحوا يتقاسمون الأعمال.

وكان كوربينو قد أفلح في اجتذاب عدد من الشباب الآخرين إلى دائرته الفيزيائية من ذوي المواهب، فكان الشوق يستحث اميليو سيجري وأدواردو. آمالدي وكذلك صديق فيرمي القديم، راسيتي، إلى الاشتراك بهذه التجارب، التي كانت تبدو شيقة مثيرة. وأصبح راسيتي رئيساً معاوناً، في حين أسندت الكهيربات إلى آمالدي وكان سيجري على استعداد ليقوم بشراء العناصر.

وكان الفريق بحاجة كذلك إلى كيميائي. وذات يوم مر بالمختبر رجل، كان كيميائياً عن طريق المصادفة، يدعى داغوستينو رغب في مشاهدة ما يحدث هناك. وكان على وشك السفر في قطار متوجه إلى باريس حيث كان قد حاز على منحة دراسية للعمل في مختبر إيرين كوري. غير أن تجربة فيرمي أثارت اهتمامه. فلاحظ حماسة العلماء الشبان العارمة لإمكانات عملهم. وكانت حماستهم تشيع في أجواء المختبر جواً من التحفز والاندفاع. وقد مدد داغوستينو تذكرة القطار ثلاث مرات ثم اقلع عن السفر إلى باريس كليةً في نهاية الأمر. وكان الفريق بحاجة إلى كل مساعدة يمكنه الحصول عليها. وفي أحدى المراحل اقنعوا شقيق أحد تلامذتهم البالغ من العمر اثنتي عشر عاماً إلى مد يد العون. فجعل يصنع أوعية ورقية متينة لحفظ العناصر، وكان عملاً شيقاً وعلى جانب عظيم من الأهمية.

رسم فيرمي خطة منتظمة لإجراء تجربته. فاعتزم قذف العناصر الأثني والتسعين المعروفة لدى الإنسان آنذاك جميعها بالنيوترون. وكانت العناصر قد نسقت في ترتيب دوري على يد الكيمائي الروسي مندليف وأعطيت أرقاماً وفقاً لأوزانها الذرية. وقرر فيرمي أن يستهل التجربة بالعنصر الأول المذكور على جدول الترتيب الدوري، الهيدروجين، ويتدرج منه حتى يبلغ العنصر الأخير وهو اليورانيوم.

حالما تمت جميع الاستعدادات أخذ فيرمي يقذف عينة الهيدروجين التي لديه بالنيوترونات. فلم يحدث شيء. ولم يكن الهيليوم متوفراً، فجرب العنصر التالي الليثيوم، من دون أن يخرج بنتيجة. ثم جرب البريليوم وهكذا حتى جرب ستة عناصر أخرى. ومع ذلك فلم يحدث شيء. فقد أخفقت جميعها في أن تقوم برد فعلي لدى قذفها بالنيوترون.

وعلى الرغم من هذه النتائج غير المشجعة فإن فيرمي قد واصل العمل إذ أنه، كما قال سيجري فيما بعد، كان على ثقة من أن التجربة ستكون ناجحة. وكان العنصر التالي هو عنصر الفلور، وحين عرضه فيرمي إلى مصدر النيوترون راحت نقرات منبعثة من اعداد الجايجر تعلن نجاح العملية. فقد أضحى الفلور ذا درجة عالية من النشاط الإشعاعي.

وأخذت حماسة الفريق تزداد حين راح يقذف بالنيوترون العناصر التالية في الترتيب الدوري فينطلق نشاط إشعاعي المرة تلو الأخرى. وكان من بين النواة ذات النشاط الإشعاعي المعروفة باسم ذرات فيرمي والتي اكتشفت في ربيع 1934 الفسفور والكوبالت المشعان المستخدمان الآن في معالجة السرطان. وتركز انتباه العلماء في جميع أنحاء العالم على المختبر الصغير في روما حيث كانت تتابع التجارب الرائعة المثيرة الواحدة تلو الأخرى. فيتم اكتشاف النوى الإشعاعية بالجملة، حيث جاوز عددها الستين.

عرف فيرمي أن نيوتروناته حين كانت أحداها تدخل نواة الذرة وتصبح جزءاً منها، كان يسفر عن دخولها طرد كهيرب. وبهذه الطريقة كان يزداد العدد الذري للعنصر واحداً، فيصبح عنصراً مختلفاً اختلافاً كلياً، فيغدو العنصر التالي على جدول الترتيب الدوري. فراح فيرمي يتساءل ماذا يا ترى يحدث حين يقذف العنصر الأخير على الجدول، وهو اليورانيوم، بالنيوترون. فوفقاً للمنطق سيصبح اليورانيوم، وهو العنصر الثاني والتسعون، العنصر الثالث والتسعين. غير أنه لم يكن ثمة عنصر ثالث وتسعون. ولعل عنصراً جديداً يتم اكتشافه، عنصراً لم يوجد في الطبيعة من قبل إطلاقاً.

ولما حان وقت قذف اليورانيوم، راح فيرمي وفريقه يتفحصون النتائج بكل شوق وتطلع. فتبينوا أن التجربة قد اطلقت ثلاثة نظائر أو أشكال لليورانيوم كما أطلقت بالإضافة عنصراً رابعاً غريباً، ولم يكن ذلك العنصر أحد العناصر المجاورة لليورانيوم على الترتيب الدوري. ترى أكان عنصر 93. وقد يكون الأمر كذلك، غير أنه لم يكن في مقدورهم الجزم بذلك جزماً باتاً.

كان فيرمي رجلاً متريثاً حذراً. فلم يرغب في الإعلان عن احتمال اكتشاف عنصر جديد. إلا أن الشيخ كوربينو، وقد طغت عليه نشوة الجذل إزاء نجاح دائرته الفيزيائية الباهر، سارع في إطلاع الصحافة. وقد سبب عمله هذا كثيراً من الإرتباك لفيرمي في حينه، وفي ما بعد ذلك أيضاً.

ومرت خمس سنوات قبل أن يعرف فيرمي ما كان قد حدث بالضبط لدى قيامه بقذف اليورانيوم بالنيوترون. لقد كانت النتيجة الناجمة عن التجربة أمراً يستدعي الاستغراب أكثر من اكتشاف عنصر جديد، أمراً لم يكن ليجول في خاطر أحد من الناس في ذلك الحين. وبما أن فيرمي وفريقه واصلوا العمل معاً، فقد كان من الطبيعي أن يعرف كل منهم الآخر معرفة جيدة. وأن تغدو مواطن الضعف لدى كل منهم مألوفة لدى الاخرين . فكان ذلك مصدر فكاهة وتندر بريئين للجميع، وهكذا توثقت الصداقة الخالصة بينهم. وقد جعلت تلك المشاعر الودية وروح الزمالة الصادقة الشائعة منهم فريقاً ممتازاً رائعاً، فكانوا يقومون بتمحيص آراء بعضهم بعضاً وانتقادها، وكانوا يبذلون في عملهم كل ما في وسعهم من طاقة.

الحياة خلال العمل في مختبر جامعة روما

وكان كوربينو العضو في مجلس الشيوخ يدعوهم أولاده، إلا أنهم اختاروا لأنفسهم أسماء أرفع وأسمى. فكان راسيتي يعرف باسم “الكاردينال النائب”، وأما فيرمى فقد عرف “بالبابا” لعصمته عن الخطأ. إلا أن تصرف أعضاء الفريق كان أشبه بتصرف الصبية منه بتصرف أحبار الكنيسة. فقد كانوا مغرمين بالنكات وبشتى أنواع الألعاب التي يستطيعون التنافس فيها. فكانوا يذهبون للسباحة أو تسلق الجبال أو للعب التنس كلما تسنى لهم ذلك. وذات مرة راحوا يسيرون قوارب للأولاد – وكانت تلك ألعاباً ظهرت حديثاً في الأسواق تندفع بواسطة شمعة مضاءة – في حوض الأسماك الذهبية الخاص بكوربينو.

ولعل فيرمي كان أكثر أعضاء الفريق حباً للتنافس. ففي رحلات تسلق الجبال كان يشتهر بمحاولاته الدائمة في سباق الآخرين. وحين كانت قمة جبل ما تغدو على مرأى من النظر كان فيرمي يحرص على أن يكون أول من يبلغها.

وما كان أعضاء الفريق لينفكوا عن ممارسة رياضتهم – وتنافسهم – حتى في داخل المختبر. وبما أن مصدر النيوترون بالذات كان ذا نشاط إشعاعي (وعليه فقد يؤثر على عداد الجايجر ويشوش التجربة)، فقد توجب إبقاؤه بعيداً عن العداد. فبعد إتمام عملية القذف، كان العنصر يحمل من خلال رواق طويل إلى الغرفة التي يوجد فيها العداد، كي تقاس درجة النشاط الإشعاعي. وفي بعض الأحيان يكون النشاط الإشعاعي ضعيفاً قصير الأجل، فيضطر الفيزيائيون إلى العدو بما في وسعهم كي يصلوا في الوقت اللازم. ولكن حتى في الحالات التي لم تكن ثمة ضرورة تستوجب السرعة، فإن أمالدي وفيرمي كانا يندفعان في الرواق بأقصى ما لديهما من سرعة، وكل منهما يحاول استباق الآخر، وكان فيرمي يدّعي أنه أسرعهم جميعاً في الركض، إلا أن رفاقه كانوا متفقين على أن ذلك الادعاء لا يمكن الوثوق به كلية. فقد كان فيرمي يكره أن يخسر مسابقة أو مباراة رياضية.

غير أن الشك لم يتطرق إلى ذهن أحد قط، في مقدرة فيرمي على إرهاق زملائه حين تكون القضية قضية عمل ، فكان يستهل عمله في مكتبه في الخامسة صباحاً. وهناك يعيد النظر في نتائج اليوم السابق ويرسم الخطط للتجارب المقبلة، بحيث تكون لديه فكرة واضحة عما يعتزم القيام به في اليوم الحالي. وكان يتوقف عن عمله البيتي في الساعة السابعة والنصف صباحاً بالضبط (وعلى الرغم من أنه لم يكن يستدل على الوقت بالنظر إلى الساعة، إلا أن حدساً ذهنياً غريباً كان يشعره بالوقت المضبوط)، فيصل إلى مختبره في الثامنة. ويظل هنالك حتى الواحدة بعد الظهر، فيأخذ استراحة حتى الثالثة – وكثيراً ما كان يقضيها في لعبة تنس حامية الوطيس مع راسيتي – ويعود ثانية إلى مختبره لخمس ساعات أخرى. ويتفق جميع معاونيه على أنه كان ينجز في المختبر من الأعمال ما يساوي ضعف ما ينجزه الآخرون على أقل تعديل.

إبطاء النيوترون

وذات يوم لفتت ظاهرة غريبة في المختبر نظر فيرمي. فقد كان برونو بونتيكورفو وكان (عضواً جديداً التحق بالفريق) وأمالدي يراقبان بعض الفضة المشتملة على مصدر نيوتروني، فلاحظا بأن الفضة تزداد إشعاعاً ازدياداً طفيفاً حين توضع على منضدة خشبية، فاستُدعي فيرمي، وطفق الفريق يختبر الفضة بشتى الوسائل التي تبادرت إلى ذهنهم، كي يتبينوا فيما إذا كان بمقدور مواد أخرى التأثير على نشاطها الإشعاعي. وفي نهاية الأمر جربوا البرافين فجاءت النتائج مدهشة رائعة. فحين كان يوضع مصدر نيوتروني مغلف بالبرافين داخل قالب فضي أجوف، كان نشاط الفضة الإشعاعي يزداد مائة ضعف. وقد بلغت نقرات عداد الجايجر مبلغاً جعل سيجري يعتقد أول الأمر أنه تهشم.

ترى، ما الذي دعي عدّاد الجايجر يتجاوب بهذا الشكل؟ وتبادرت إلى ذهن فيرمي فكرة، وحين عاد إلى البيت، أكب على العمل فانتهى به الرأي إلى وضع افتراض، كان يعلم أن البرافين يشتمل على كميات وافرة من الهيدروجين (في حين يشتمل خشب المنضدة على كميات أقل)، أفلا يمكن أن يكون ما حدث هو التالي: حين تمر النيوترونات من خلال البرافين، فإنها تصطدم بالبرونات، تلك الدقائق التي هي قوام نواة الهيدروجين والتي لها وزن مماثل لوزن النيوترون. وتلك الاصطدامات تسبب إبطاء النيوترونات فيسهل على ذرات الفضة أسرها.

وعاد فيرمي بعد وجبة الغداء إلى المختبر فأخبر فريقه بالافتراض الذي افترضه. وفي الحال أكبوا على اختباره. فلو صح الافتراض، لتسنى لمواد أخرى تحتوي على كميات كبيرة من الهيدروجين إبطاء النيوترونات وتحويلها إلى قذائف أنفذ مفعولا. أثمة ما يمنع من تجريب “أتش2 أو” (H2O)؟

وكانت التجربة تقتضي كميات كبيرة من الماء، أكثر عمّا يستطيع المختبر تزويدهم بها. وتردد الفريق هنيهة، وإذا بالحل يلوح لهم في الحال – بركة الأسماك الذهبية الخاصة بكوربينوا فقد كانت تقع خلف المختبر مباشرة. وفي الحال جمعوا أجهزتهم ومعداتهم. وما لبثت أن أصبحت الفضة ومصدر النيوترون تحت الماء مع الأسماك الذهبية (التي بقيت على قيد الحياة). وراحت النقرات تنبعث من عداد الجايجر ثانية.

لقد ازداد النشاط الإشعاعي الاصطناعي أضعافاً مضاعفة. وجاءت النتائج مؤيدة لافتراض فيرمي. فقد اكتشف قاذفاً في منتهى الزخم والقوة: النيوترون البطيء. وقدر لذلك النيوترون أن يلعب دوراً حيوياً في تطوير القوة النووية.

وغمرت نفوس هؤلاء الشباب نشوة من الطرب والحماسة عارمة في فترة بعد الظهر تلك. وصفها سيجري قائلا: “شرعنا نصرخ جميعاً بملء أصواتنا الإيطالية العالية. ورحنا نسرد النتائج المحتملة الوقوع والطرق لاختبارها”. وفي نهاية اليوم كانت النشوة لا تزال تسيطر على عقولهم، فعوضاً عن العودة إلى بيوتهم توجهوا إلى بيت أمالدي لتسجيل التجربة مواصلين تبادل الآراء بملء أصواتهم إلى ساعة متأخرة من الليل.

الفوز بجائزة نوبل والهجرة إلى الولايات المتحدة

واصل فيرمي تجاربه بالنيوترون بين عامي 1934 و1938، وراح عمله يبني سمعة لجامعة روما ويجتذب الطلاب الأجانب إليها، وذلك كان على مرأى من كوربينو الذي غمرته السعادة، ولكن فيرمي الذي اعتاد أن يقضي الصيف في التعليم في الولايات المتحدة كان في تلك الأثناء قد قرر ترك إيطاليا نهائياً والاستقرار في أمريكا.

إنريكو فيرمي أثناء إحدى محاضراته

وكانت أسرة فيرمي قد أنجبت ولدين – ابنة تدعى نيلا ولدت عام 1931، وصبياً يدعى جوليو من مواليد 1936 – ولم تكن الأسرة لترغب في البقاء في إيطاليا. فصممت على التوجه إلى أمريكا في 1939. غير أن احتمال فوز فيرمي بجائزة نوبل جعل الوالدان يعيدان النظر في مشروع سفرهما.

وقد وصفت السيدة فيرمي اليوم العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، عام 1938، وكيف استيقظت هي وزوجها في الصباح الباكر على جرس الهاتف. فأخبرتهم عاملة التليفون بانتظار مخابرة للأستاذ فيرمي من ستوكهولم في السادسة من ذلك المساء. هل كان ذلك يعني أن فيرمي قد فاز بجائزة نوبل. وقضى فيرمي وزوجته طوال ذلك النهار في التفكير بهذا الشأن، وحين حل المساء أخيراً جلسا في غرفة الجلوس يرتقبان المكالمة باضطراب. وبعد الساعة السادسة بقليل رن الهاتف وإذا بإحدى الصديقات اللواتي نمى إليهن خبر إشعار عاملة التليفون تستفسر عما إذا كانت المخابرة قد وصلت من ستوكهولم.

ورن جرس الهاتف ثانية، فكانت الصديقة نفسها، فسألت إن كانت مخابرة ستوكهولم قد وصلت. وأخيراً وصلت المخابرة من ستوكهولم. فعلم فيرمي أنه قد فاز بجائزة نوبل لتعرفه إلى عناصر إشعاعية جديدة ولاكتشافه تفاعلات نووية تتأثر بالنيوترونات البطيئة.

وأما الجائزة فستمنح في السويد في الشهر القادم. وعليه صمم السيد والسيدة فيرمي أن يذهبا إلى السويد لحضور مراسم الاحتفالات التي تقام لدى منح جوائز نوبل، ومن ثم يواصلان طريقهما إلى أمريكا، فقد وجد فيرمي الفرصة مناسبة ليقبل منصب الأستاذية الذي عرضته عليه جامعة كولومبيا.

واستُقبلت أسرة فيرمي بحفاوة بالغة في ستوكهولم. وقد سلَّم ملك السويد جوستاف الخامس، جائزة نوبل إلى فيرمي.

وفي اليوم الثاني من يناير عام 1939 وصلت أسرة فيرمي مرفأ نيويورك. وقال إنريكو وهو يحيي أفق نيويورك الظاهري وتمثال الحرية: “ها نحن نؤسس فرع أسرة فيرمي الأمريكية”. وما لبثوا أن استقروا في ليونيا، نيوجرسي، فقد نصحهم صديقهم الجديد هارولد يوري قائلاً بأنه مكان يطيب للمرء العيش فيه.

وكان ثمة أشياء كثيرة أمام أنريكو فيرمي كي يتعلمها عن الولايات المتحدة. لقد لفت نظره خصوصاً الإبداعات الآلية التي وجدها هناك، وعلى الرغم من أنه كان رجلاً مقتصداً، إلا أنه طفق يبتاع أدوات آلية، من شتى أنواعها الواحدة تلو الأخرى، من منشار كهربائي إلى برميل نفايات يفتح بدعسة قدم. وكان يعتقد أن ثمار التقنية هذه هو دلالة على بحث الإنسان المتواصل عن وسائل لتخفيف العمل وتحسين أوضاعه الحياتية. بل وكان يعتقد أن تلك الإبداعات الآلية ترمز إلى حد ما إلى ما يُرجى من أمريكا من جلائل الأعمال.

إنشطار الذرَّه

وبعض مضي أسبوعين على وصول السفينة التي أقلت أسرة فيرمي إلى ميناء نيويورك، وصل من أوروبا عالم مرموق آخر هو نيلز بور. وحمل بور معه أخباراً مثيرة للغاية: لقد توصل فريق من العلماء الألمان إلى شطر الذرة. وحين وصل الخبر عن هذه التجربة إلى مسامع فيرمي أدرك ما كان قد حدث بالفعل حين قذف اليورانيوم قبل ذلك بسنوات خمس.

وفي ذلك الحين ظن فيرمي بأن تجربته قد تكون أطلقت عنصراً جديداً. وهذا ما اعتقده علماء آخرون. وما من أحد اعترض على هذا الرأي سوى امرأة هي كيميائية ألمانية تدعى إيدا نوداك انتقدت تجربة فيرمي في رسالة وجهتها إلى إحدى المجلات العلمية. فاعتقدت أن قذف ذرات اليورانيوم بالنيوترون قد سبب تهشم النواة إلى شظايا هي في الواقع نماذج لعناصر معروفة. ولم يعر العلماء نظرية إيدا نوداك أي التفات إذ لم يكن يخيل لهم بأن في مقدور النيوترون، وهو دقيقة غير ذات شحنة كهربائية، القيام بما عجزت عن إنجازه آلات تهشيم الذرة البالغة القوة.

وقامت عالمتان أخريتان تؤيدان صحة رأي إيدا نوداك. فإن إيرين كوري لم تقتنع تماماً بما توصل إليه فيرمي من نتائج. فأعادت تجربته وأعلنت بأن قذف اليورانيوم بالنوترون لا يحدث عنصراً جديداً، بل شيئاً كثير الشبه بعنصر معروف هو اللانثانوم الذي يعادل وزنه الذرية نصف وزن اليورانيوم الذري تقريباً. وكان ذلك بحد ذاته صحيحاً، إلا أن إيرين كوري عجزت عن إدراك النقطة الجوهرية في الموضوع.

وأما المرأة الثالثة فكانت ليز مايتنر. فقد كانت هي واوتوهان وفردريك شتراسمان منكبين في ألمانيا على دراسة عملية قذف اليورانيوم بالنيوترون. ولكن ظروفاً خاصة فرضت عليها السفر فأكب رفيقاها على التجربة وقاما بقذف اليورانيوم البالغ وزنه 238 بالنيوترون فحصلا على نظائر بلغ وزنها الذري حوالي 140 و90 فكان من الواضح أن الذرّات قد انشطرت إلى نصفين تقريباً. غير أن هان وشتراسمان أحجما عن الانتهاء إلى رأي هو، على حد قولهما: “مغاير لجميع الاختبارات السابقة في الفيزياء النووية”.

إلا أن ليز مايتنر كانت أقل محافظة منهما. فأكبت على دراسة تفاصيل تجربة زميليهما. ومن ثم، مسترشدة بنصيحة ابن أختها، أوتو فريش، توصلت إلى نظرية تقدم شرحاً مُرضياً لما كان قد حدث. فقالت أن ذرات اليورانيوم كانت قد انشطرت بالفعل. ولما كانت كتلة الشظايا المتكونة أقل بكثير من كتلة اليورانيوم، يتضح انطلاق كمية كبيرة من الطاقة في لحظة الانشطار.

وحين بلغ خبر الانشطار النووي إلى فيرمي أدرك أنه كان هو نفسه قد شطر الذرة قبل ذلك بخمس سنوات، من دون أن يعلم بذلك. وحدث عقب ذلك بسنوات أن كان فيرمي وبعض العلماء الآخرين ينظرون إلى رسومات جديدة أعدها أحد مهندسي المختبر كان يعتزم بناءه في جامعة شيكاغو، وبدت من بين الرسوم صورة غامضة المعالم تمثل إنساناً. وكانت الصورة جزءاً من لوحة منحوتة كان المهندس ينوي رفعها على مدخل البناء. وراح العلماء يتسائلون فيما يفترض أن يمثله ذلك الشكل الإنساني فعلَّق فيرمي قائلاً دونما مرح بأن الشكل قد يمثل عالماً أخفق في اكتشاف الانشطار!.

ولم يبدد فيرمي وقته في العام 1939 في تأنيب النفس. فها قد لاحت في الأفق أصقاع جديدة للاستكشاف. كيف يمكن للمرء التحكم بقوة الذرة الهائلة؟ كيف يمكنه استخدامها؟ وأكب في الحال على دراسة هذه المسائل وتقَّصيها، فوجد أن النيوترون هو أساس الحل. وبعباراته الخاصة أوضح فيرمي ما جال في فكره حول موضوع الانشطار النووي هكذا :

ينفذ النيوترون إلى داخل نواة اليورانيوم فيحدث اضطراباً فيها ما يؤدي إلى انشطارها إلى نصفين. فتطلَق كمية كبيرة من الطاقة وتصحبها ظروف تؤدي، في كل الاحتمالات، إلى انطلاق نيوترونات أيضاً، وذلك هو الموضوع في أساسه فإذا كانت أعداد النيوترونات المنطلقة أكثر من تلك التي يجري امتصاصها، فإن التفاعل المتسلسل يغدو في حيز الإمكان فيظهر بذلك مصدر جديد للطاقة.

فإذا ما انبثق نيوترونات من انشطار ذرة يورانيوم واحدة، (كما كان فيرمي يرجو) فقد تصطدم هاتان بذرتين أخريين من اليورانيوم ينطلق من كل منهما نيوترونات. فيصبح هنالك أربع نوترونات تشطر بدورها أربع ذرات، وهكذا دواليك. فتشكل تفاعلاً متسلسلاً بصورة تلقائية. ويصف فيرمي تلك العملية بأسلوبه المقتضب الذي يتميز به فيقول:

إن حدث وسببت عملية الانشطار الأصلية أكثر من شطر لاحق واحد، نتج عن ذلك بالطبع التفاعل المتسلسل. وإذا ما سببت عملية انشطار أصلية أقل من شطر لاحق واحد: فإن التفاعل المتسلسل لا ينتج.

وبعد مضي شهرين تأيدت نبوءة فيرمي القائلة بانطلاق النيوترونات في حال انشطار اليورانيوم. فحل دور المختبر الآن محل دور النظريات. وذلك ما فعله فيرمي بنفسه. فأوجد مختبراً في كولومبيا وجمع فريقاً من العلماء كذلك انضم إليه ليو زيلارد، وكان لاجئاً هنغاري المولد، وهربرت أندرسن، وولتر زين، إلا أنه لم يكن في وسع فيرمي إقامة آلة متسلسلة التفاعل، كما دعاها، ما لم تحل بعض المشاكل الأساسية أولاً.

عثرات على طريق الإنشطار

وإحدى تلك المشاكل كان اليورانيوم. فإن 0.7 بالمائة من اليورانيوم قابل للانشطار. وتعرف تلك النسبة المئوية الصغيرة للغاية بيورانيوم يو – 235 ؛ فكان المنطق يملي فصل يو – 235 عن سائر اليورانيوم والاقتصار على استخدامه من دون غيره. غير أن تلك العملية كانت عملية باهظة التكاليف ومستنفذة للوقت. ولم يكن العلماء حتى على يقين من إمكانهم القيام بها.

التفاعل النووي المتسلسل

بيد أن فيرمي، الذي كانت معلوماته عن النيوترونات ومجراها تفوق معلومات أي شخص آخر، فقد اعتقد بأن في مقدوره إحداث تفاعل متسلسل في اليورانيوم العادي غير المفصول. ولكن اليورانيوم كان نادراً سنة 1939. فلم يكن متوفراً منه سوى بضعة غرامات، وحتى تلك الغرامات القليلة كانت موزعة في شتى أنحاء البلاد. أضف إلى ذلك أن ما كان يعرف عن خواص اليورانيوم كان في غاية الضآلة. فتَوجَّب عليهم قبل مباشرةِ العمل تفحصه ودراسته إضافةً إلى الحصول على كميات كافية منه.

ولم تكن تلك المشاكل الوحيدة، فقد تبين فيرمي وزيلارد بأن النوترونات المنبثقة من انشطار اليورانيوم سريعة الحركة جداً بحيث يتعذر عليها إصابة ذرات يو – 235 الخطيرة الشأن. فاحتمال النجاح أفضل في حال النيوترونات البطيئة الحركة. وكانت تلك المشكلة قد واجهت فيرمي من قبل، إذ كان قد استخدم مرة حوض أسماك ذهبية لإبطاء حركة النيوترونات. أما الآن فقد واصل تجاربه وأثبت على أن ذرات الكربون أفضل العوامل البطيئة المتوفرة وأنفذها مفعولاً. غير أن الكربون المستخدم يجب أن يكون في غاية النقاوة، ولسوء الحظ كانت صعوبة في العثور على شكل نقي من الجرافيت (وهو كربون في شكل صلب كثيف).

وبعد مضي بضعة أشهر انقضت في البحث العلمي، غدا في وسع فيرمي تخيل آلته المتسلسلة التفاعل، المؤلفة من طبقات متبادلة من قوالب الجرافيت وكتلات اليورانيوم الموضوعة في داخل الجرافيت، أي ستكون عبارة عن كومة. وهكذا، فالنيوترونات السريعة الحركة المنبثقة من انشطار يو-235 (235U) ستصطدم بذرات الكربون، فتتباطأ، ومن ثم تصيب ذرات أخرى من يو – 235. وسيفضي ذلك إلى تفاعل متسلسل يأخذ بالازدياد شيئاً فشيئاً، فتتضاعف الطاقة بسرعة لا يمكن تقديرها ولكنها فائقة جداً.

غير أنه قد يكتب لكومة فيرمي أن تظل قابعة في مخيلته ما لم يتوفر المال لتكوين عدة أطنان من الجرافيت النقي واليورانيوم. وعليه فقد قرر هو وزملاؤه التقدم إلى الحكومة بطلب منحة مالية.

وكان ثمة سبب آخر، يستوجب منتهى السرعة، دفع فيرمي إلى إطلاع السلطات فى الولايات المتحدة على عمله. فقد كان يعتقد بقرب نشوب الحرب.

ولم يكن فيرمي الفيزيائي الوحيد الذي كان القلق بشأن الحرب يساوره. ففي شتاء 1939 تقدم ليو زيلارد من فيرمي طالباً إليه عدم نشر أي معلومات عن عمله يمكن أن يفيد منها العلماء الألمان. ولم ترق الفكرة لفيرمي في أول الأمر، فقد كان يؤمن إيماناً راسخاً بتبادل العلماء الآراء العلمية تبادلاً حراً طليقاً. غير أنه ما لبث أن رأى أن زيلارد مصيب في رأيه، فوافق على فرض الرقابة على نفسه، كما كان يفعل العلماء الآخرون الذين كانوا يشتغلون في الانشطار النووي هنا وفي الخارج.

غير أن الرقابة الذاتية لم تكن تكفي. إذ كان من الضروري تنبيه سلطات الولايات المتحدة إلى الإمكانات الكامنة في الأعمال الجارية في جامعة كولومبيا. كان فيرمي يعلم بمسعى وزارة الحربية للحصول على سفن بحرية ذات مدى طوافي غير محدود، وفكر بأنه قد يكون بالإمكان استخدام كومته لتلك الغاية (كما حدث استخدامها فعلاً بعد ذلك بعدة سنوات في غواصة نوتيلوس) إضافة إلى استخدامها في نطاق البحث عن المتفجرات، وعليه فقد ذهب لمقابلة البحرية.

ولم تحظ زيارته بالنجاح. إذ لم تتخذ البحرية أية خطوة بصدد ذلك. ولم يكن رفضها مدعاة للاستغراب إذ كان التفاعل المتسلسل الذي يمكن التحكم فيه والسيطرة عليه لا يزال احتمالاً نظرياً ضعيفاً للغاية في ذلك الحين. فلم يكن لدى العلماء أي دليل على إمكان القيام به.

إلا أن ذلك الاحتمال الضئيل ما فتىء يقض مضاجع الرجال الذين ستقع عليهم يوماً ما مسؤولية إطلاق الطاقة النووية، وحين منعت ألمانيا بيع اليورانيوم التشيكوسلوفاكي وبدا أنها جادة في بذل كل مجهود للحصول على الطاقة النوية، تحرك العلماء ثانية. فتوجه هذه المرة، ليو زيلارد ويوجين وإدوارد تلر إلى أينشتاين. إذ أحسوا بأن تنبيهاته – سيكون لها وزنها.

حين أخبروا أينشتاين عن قرب المسافة التي غدت تفصل بينهم وبين التفاعل المتسلسل التي بلغوها عن طريق دراساتهم، وافق على توجيه رسالته الشهيرة إلى الرئيس روزفلت، فأطلعه فيها على أعمال الأمريكان والألمان في حقل الطاقة النووية. ثم قال له فيها: “بأن إقامة تفاعل متسلسل قد يكون أمراً في حيز الإمكان. كما أنه ليس بعيداً أن يغدو صنع قنابل شديدة البطش من نوع جديد أمراً مستطاعاً مع العلم أن الاحتمال الأخير أبعد عن التحقيق من الأول”.

وكان أولئك العلماء الذين أحسوا بالمسؤولية الخطيرة التي اضطلعوا بها، والذين قاموا بإخطار حكومة الولايات المتحدة بالأمر، كانوا جميعاً لاجئين من أوروبا.

وبعد انقضاء فترة وجيزة على استلام روزفلت رسالة أينشتاين، عيّن لجنة استشارية لليورانيوم (وعيّن فيرمي رئيساً للقسم المتعلق بالنواحي النظرية)، وخصص للبحث مبلغاً قدره ستة آلاف دولار. ولم يكن مبلغ الستة آلاف دولار ليكفي للحصول على كميات كبيرة من الجرافيت واليورانيوم تتصف بدرجة النقاوة اللازمة، وعليه فإن البحث في الكومة كان يتقدم بخطوات بطيئة.

وظل الجزع يساور فيرمي وزيلارد وفيجنر، فلم يكن ليخفى عليهم أن الفيزيائيين الألمان لا يقلون عنهم في المقدرة أو في مدى ما توصلوا إليه من معلومات. كما لم يخف عليهم بأن على الولايات المتحدة ستستحث الخطى كي تسبق ألمانيا إلى سلاح نووي. إلا أن هؤلاء العلماء القادمين من أوروبا لم يكونوا قد اعتادوا التعامل مع رجال الحكومة الإداريين، فكانوا يعجزون عن الإفصاح عما يجول في أذهانهم من فِكر، كما عجزوا عن بث ذلك الشعور المسيطر عليهم، والداعي إلى ضرورة الإسراع.

وتبدل الموقف تبدلاً مثيراً حين أعلنت الحكومة الأمريكية في السادس من كانون الأول (ديسمبر) عام 1941، أي في اليوم السابق لهجوم اليابان على برل هاربر، عن حملة واسعة النطاق لتطوير الطاقة النووية. وفي اليوم التالي دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية. “فأصبح أنريكو نفسه – كما تقول السيدة فيرمي – يقوم بمجهود حربي وفي اللحظة نفسها بات عدواً أجنبياً”.

ولم يكن في وسع أسرة فيرمي الحصول على الجنسية الأمريكية ما لم يكونوا قد أقاموا خمس سنوات فى أمريكا (نالوا الجنسية فى 1944). وإلى أن يتم لهم ذلك، كان على أنريكو فيرمي، بصفته أحد رعايا بلاد عدوة للولايات المتحدة، أن يخضع لبعض الأنظمة. ومن جملتها عدم السماح له بالسفر ما لم يحصل أولاً على أذن خاص من وكيل مفوض في الولايات المتحدة لكل رحلة ينوي القيام بها.

والآن، إذ صممت الولايات المتحدة على تبني مشروع تطوير الطاقة الذرية ورعايته، فإن فيرمي غدا مضطراً إلى القيام برحلات متكررة إلى شيكاغو، التي تقرر اتخاذها مقراً رئيساً للعمل على التفاعل الذري، وكان يضطر في كل سفرة إلى الحصول على إجازة سفر. وبالإضافة كان عليه أن يسافر في القطار، إذ كان يحظر ركوب الطائرة على الأجانب المنتمين إلى دولة عدوة، ومع ذلك لم يتبرم فيرمي قط، مع مقته للسفر بأنواعه، وللسفرات الطويلة في القطار، ولم يتبرم بما يلاقيه من إزعاج في سبيل الحصول على إذن خاص من الحكومة للقيام بعمل كانت الحكومة نفسها قد طلبت إليه القيام به.

وعقب ذلك ببضع سنوات اتخذت حكومة الولايات المتحدة بعض التدابير لحماية مستخدمها الأجنبي “العدو” ولحماية نفسها منه كذلك. فعينت حرساً لحراسة فيرمي وبعض علماء الذرة الآخرين. وكان أولئك الحرس على جانب من الذكاء. وكان جملة واجباتهم منع العلماء من مناقشة أعمالهم حيث توجد آذان عدوة تصغي. ولم يكن أمر رقابة العلماء، الذين سبق لهم أن فرضوا رقابة تلقائية على أنفسهم، بالأمر السهل، كما يشهد على ذلك حارس فيرمي، جون بودينو.

وكان بودينو يحرص دوماً على طرح أسئلة على فيرمي تمت بصلة إلى عمله. فقد تراءى لبودينو بأنه إذا تسنى له إشغال فيرمي بالتحدث إليه عن الانشطار النووي، فسوف يخف احتمال تحدثه إلى أناس آخرين وكشفه النقاب عن الأسرار العلمية، فاستجاب فيرمي لتلك المعالجة استجابة رائعة، إذ لم يكن يستمتع بشيء أكثر من استمتاعه بالتعليم. وما لبث أن أصبح بودينو ملماً بمعلومات عن الفيزياء النووية بمقدار لم يكن ليحلم قط باستيعابه من قبل، وراح فيرمي يدعوه “زميلي”، حين كان يعرفه إلى الأصدقاء. وكان فيرمي يعلق قائلاً: “يوشك بودينو أن يكون له حارس أيضاً”.

وعلى الرغم من اجتماعات اللجان ومن سفرات القطار الطويلة، فإن عمل فيرمي أخذ يتقدم شيئاً فشيئاً. وما أن حل صيف 1941 حتى أصبح لديه ما يكفي من الجرافيت واليورانيوم، وغدت معلوماته عنهما كافية كي يشرع ببناء كومة تجريبية. ولم تكن تجربته تلك تستهدف أحداث تفاعل متسلسل، بل كان الغرض منها التعرف إن كان التسلسل أمراً ممكناً، إذ كان عدد النيوترونات التي سيقوم اليورانيوم بامتصاصها فيفقدها التفاعل المتسلسل عن هذه الطريق لا يزال مجهولاً.

العامل ك (k)

كما كان مجهولاً كذلك مبلغ ما يفقده التفاعل المتسلسل من النيوترونات بسبب الشوائب الموجودة في الكومة وبسبب التسرب، فهل سينطلق مقدار كاف من النيوترونات داخل الكومة كي يقابل هذه الخسائر؟ وكانت تلك المسألة في غاية الأهمية، ولم تكن الإجابة على تلك المسألة سهله، ولم يتوصل فيرمي إليها إلا بعد تقديرات معقدة وطويلة. وكان ذلك مجرد تقدير يتغير مع شكل الكومة التجريبية ونقاوة المواد المستخدمة فيها. وكان ذلك العدد التقديري يعرف بعامل التكاثر أو العامل (ك) أو صيغة العامل الأربعة لفيرمي. وكان فيرمي يعلم بأنه في حال انخفاض العامل (ك) إلى ما دون (1)، فلن يكون ثمة مجال للإتيان بتفاعل متسلسل على الإطلاق. وأما إذا زاد على (1)، فاحتمال النجاح يكون أكبر.

ومنيت الكومة التجريبية الأولى بالفشل. فإن عامل (ك) فيها كان ما دون ال (1): أي إن عدد النيوترونات التي كانت تَفلت إلى خارج الكومة أو التي كانت تُمتص في داخلها كان أكثر من عدد النيوترونات التي كانت تصطدم بذرات اليورانيوم – 235. فقد كان يتوجب الحصول على جرافيت ويورانيوم أكثر نقاوة، كما كانت العملية تحتاج إلى كميات أوفر من الصنفين لبناء كومة أكبر.

وكان مقدراً للعامل (ك) أن يغدو بعد مضي مدة وجيزة أحد أسرار الحرب العالمية الثانية البالغة الشأن، ولكن قلائل هم الذين كانوا يأبهون به ذلك الحين، خارج حلقة فيرمي ومعاونيه. فإن الكومة الذرية (المفاعل النووي) ما كانت لتشكل سوى ناحية من نواحي معالجة مشكلة الحصول على تفاعل متسلسل. وحتى في حال نجاح الكومة الذرية فإنه لن يتسنى لها وحدها أن تنتج نوع الطاقة التي تتطلبها القنبلة. وكان ثمة طريقة أخرى لمعالجة الموضوع يرجى منها قسط أكبر من النجاح؛ تلك هي فصل اليورانيوم-235 عن اليورانيوم. وكان العلماء الذين تساندهم الحكومة دائبين على العمل عليها، وإذا باكتشاف خطير الشأن يُبَدل الأوضاع تبديلاً كلياً.

إنتاج البلوتونيوم من كومة فيرمي

فقد تم اكتشاف العنصر رقم 93، الذي كان فيرمي قد سعى في البحث عنه منذ سبع سنوات، حين راح يقذف اليورانيوم بالنيوترون لأول مرة وكان هذا العنصر غاية في عدم الاستقرار، فقد كان ينحل بسرعة مشكلاً العنصر 94، وهو البلوتونيوم. وكان العلماء قد تكهنوا حتى قبل أن يتم اكتشاف البلوتونيوم، بأنه سيكون ذا قابلية للانفجار لا تقل عن اليورانيوم – 235 ما يجعله مادة صالحة للقنابل في المستقبل. فأضحى السؤال المهم هو: هل من الممكن إنتاج البلوتونيوم بسرعة تفوق اليورانيوم – 235؟ وكان الجواب ، نعم، إذا نجحت كومة فيرمي، يمكن استخدامها لإنتاج البلوتونيوم، بحيث يسهل استخراج البلوتونيوم منها بطرق كيميائية.

وراح اهتمام الحكومة يتركز الآن على عمل فيرمي، فتدفق الجرافيت واليورانيوم إلى داخل المختبر في جامعة كولومبيا. ولم يمض وقت طويل حتى بلغت إحدى الأكوام التجريبية سقف الغرفة. فدعت الحاجة إلى استخدام غرفة أوسع، ولكن لم يكن ثمة غرفة أوسع في كولومبيا.

وكان هربرت أندرسون يجوب نيويوك باحثاً عن غرفة رحبة، وإذا بهم يتسلمون أمراً بنقل المشروع بمجموعه إلى شيكاغو. فقد رغب آرثر كومبتون، المسؤول عن البرنامج الحكومي للحصول على البلوتونيوم، في تركيز العمل جميعه في مقر واحد.

وللحال جرى تحزيم الجرافيت واليورانيوم وعدادات الجايجر وشحنها إلى جامعة شيكاغو تحت اسم “مختبر المواد المعدنية“، وهو الاسم السري للمشروع . وخصص الفريق فيرمي ملاعب السكواش الواقعة تحت القسم الغربي من مدرج ستاج فيلد، وهو الفسحة الوحيدة المتبقية في باحات الجامعة الفسيحة المتسعة. وباشروا العمل في الحال. وما لبثت أرض الغرفة إن غدت مغطاة بطبقة دهنية سوداء من غبار الجرافيت. وكانت القدم تنزلق عليها كما لو كانت أرضية قاعة رقص.

وساد في ساحة السكواش جو مفعم بالتوتر والترقب. وراحت الجهود تتضاعف. ومثل فيرمي دوراً نشيطاً في كل ناحية من نواحي العمل، فلم يصدف عن أي عمل من الأعمال مهما كان قذراً مرهقاً، إن كان في إنجازه ما يساعد على إنماء المشروع وتقدمه. فكان يقوم بتلحيم قطع أجهزة المختبر إن دعت الضرورة إلى ذلك، أو ينصرف إلى حمل قوالب الجرافيت إلى لوحة النشر ودفعها وهي تتوارى في غلاف من الغبار الأسود.

وكان لفيرمي مؤهلات مختلفة تؤهله لإدارة المشروع في شيكاغو فقد كان دوماً ممن يراعون عدم تبديد الوقت، ويتحاشون الخطوات أو التفاصيل الضرورية. وقد اتصفت معظم إنشاءاته داخل المختبر بغاية البساطة. فلم يكن مظهرها الخارجي ليهمه في شيء أبداً إذا ما كانت تؤدي وظيفتها. وتلخصت فلسفته الخاصة بما يلي: عليك أن لا تبني بناء أكثر إحكاماً أو تقيس قياسات أكثر دقة عمّا يتطلبه العمل.

وراح فيرمي وفريقه يبنون، في أول الأمر، مزيداً من الكومات التجريبية في ساحة السكواش. فكلما وصلت شحنة جديدة من اليورانيوم والجرافيت، كانت تقام كومة صغير لتفحص نقاوتها، أو بعبارة أخرى لاكتشاف عامل (ك) الكامن فيها. وكان الحصول على هذا الرقم لا يتم إلا بعد سلسلة من العمليات الحسابية المعقدة، فكان فيرمي يصر دوماً على إنجاز هذه العمليات بنفسه، إذ كان يعلم أنه يستطيع الحصول على الجواب في أقصر وقت ممكن. وكان باستطاعة أفراد فريق فيرمي دائماً تبين ما إذا كان فيرمي في المكتب. فإن لم يصل صوت الآلة الحسابية التي في مكتبه إلى مسامعهم، فإنهم كانوا لا يكلفون أنفسهم بالنقر على الباب، بل كانوا يبحثون عنه في أقرب مختبر.

وأخيراً، في حزيران/يونيو، سنة 1942، دلت إحدى الكومات التجريبية على توفر عامل ك يزيد على 1. وأصبح في المستطاع أخيراً المباشرة في العمل الأصلي. فبدأ يتشكل في ساحة السكواش الواقعة تحت مدرج ستاج فيلد تركيب بنياني ضخم من الجرافيت واليورانيوم. وكان يعمل فيه فريقان، الأول تحت إشراف أندرسن والثاني بإشراف زين. وكان الفريقان يعملان بشكل متواصل تقريباً.

وكان فيرمي ورجاله قد قدروا بأن أنسب شكل للكومة وأجداه هو الشكل الكروي، فاعتزموا على إقامة الشكل على دعائم خشبية. ولم يكن ثمة حاجة لإنشاء مصدر للنيوترون في داخل الكومة لإطلاق التفاعل المتسلسل. فإن النيوترونات المنبثقة من الانشطار التلقائي لليورانيوم ومن مصادر أخرى، ستطلق التفاعل بصورة آلية حين تبلغ الكومة حجمها الحاسم (Critical Size).

ولكن ما هو ذلك الحجم الحاسم؟ لم يكن بوسع العلماء سوى التخمين بشأنه. فقد كان ثمة عوامل مجهولة عديدة واحتمالات متباينة كثيرة فكل ما كان في استطاعتهم الجزم به هو ضرورة إقامة أكبر كومة ممكنة، بقدر ما تسمح لهم الغرفة بذلك. فكلما ازداد حجم الكومة، قل احتمال تسرب النيوترونات إلى الهواء قبل أن تصيب ذرّات اليورانيوم بمقتل.

التفاعل المتسلسل والتحكم فيه

ومضى وقت طويل على فيرمي لم يستطع في خلاله التيقن من إمكان إحداث تفاعل متسلسل. فقد تبلغ الكومة سقف ساحة السكواش قبل أن تحل اللحظة الحاسمة. فما الذي يمكن عمله في هذه الحاله؟ وكان يعلم أن سحب الهواء من الكومة سيساعد على إنجاح المشروع، إذا أن الهواء يمتص النيوترونات. ومن ثم فكر فيرمي بتغليف الكومة، أي إحاطتها بغلاف ما، بحيث يتسنى له سحب الهواء إلى الخارج، إن دعت الضرورة إلى ذلك. وذلك كان السبب في استلام شركة “جوديير للدواليب والمطاط” طلبية لصنع بالون مربع ضخم تسمح له قياساته بتغليف مجموعة الكومة والدعائم الخشبية. ولم يكن رجال شركة جوديير يعلمون بالغرض الذي سيستخدم فيه البالون. فأخذ القلق يساورهم، وشكوا بقدرة البالون على الطيران.

عندما وصل البالون إلى ساحة السكواش، طلب فيرمي أن يُرفع هو نفسه ليكون على مقربة من السقف حيث يقوم من هناك بتوجيه العمليات، حيث يأخذ الرجال بتركيب البالون حول الكومة. وحين كان صوته يعلو وهو يأمر بجذب حبل هنا أو ربط آخر هناك، أو بالرفع والشد، كان يبدو للرجال الواقفين في الأسفل بمظهر قبطان واقف على منصة السفينة. ولذلك غدا فيرمي معروفاً في المختبر باسم “الأميرال” لمدة من الزمن.

أنريكو فيرمي يراقب من على المنصة كومة الجرافيت والقضبان الضابطة، مصدر الصورة وزارة الطاقة الأمريكية

وحين راح العلماء يكدسون طبقات من الجرافيت واليورانيوم الواحدة تلو الأخرى، كانوا يحرصون على مراقبة الأدوات المسجلة للنشاط الإشعاعي مراقبة دقيقة. وإذا كان احتمال بلوغ الحد الحاسم جائزاً في أي لحظة، ما يؤدي إلى إطلاق تفاعل متسلسل، كان لزاماً عليهم إقامة أداة ضابطة داخل الكومة. وكانت تلك عبارة عن سلسلة من القضبان الممتصة للنيوترونات، مصنوعة من الكادميوم. فحين تُنصب تلك القضبان في أماكنها، يستحيل حصول أي تفاعل متسلسل. وحين كانت القضبان تسحب، كان يصبح في مقدور العلماء قياس مبلغ ما تصل إليه الكومة من وضع حاسم. وفي ساعة متأخرة من مساء الأول من كانون الأول/ ديسمبر عام 1942، وبعد مضي أربع سنوات على شروع فيرمي بالعمل على مسألة التفاعل المتسلسل، أظهرت الفحوص بأن الكومة قد بلغت حجمها الحاسم. وقد حدث ذلك بأسرع ممّا قدر العلماء (لم يكن البالون ضرورياً إطلاقاً). وهكذا لم يتم تركيب الكرة قط. فبدلاً من أن تكون كروية الشكل، بدت أشبه ما يكون بمقبض الباب.

وفي صباح الثاني من كانون الأول/ديسمبر، توجه فيرمي في الساعة الثامنة والنصف كمألوف عادته إلى ساحة السكواش. فكان ذلك هو اليوم الفاصل الذي سيلقي فيه النبأ العظيم. وتجمع العلماء الذين اشتغلوا في تركيب الكومة حولها. وكانت تلك هي اللحظة التي ستوضع فيها قراراتهم وحساباتهم موضع التجربة النهائية. وقليلون من بينهم كانوا يعلمون بأن حكومة الولايات المتحدة كانت قد اتخذت تدابير مسبقة لإقامة ثلاث كومات ضخمة منتجة للبلوتونيوم، استوحي تركيبها من النموذج الموجود في ساحة السكواش. فالحكومة كانت قد قررت المغامرة بثلاثمئة وخمسين مليون دولار على أمل نجاح مشروعهم.

واعتلى فيرمي شرفة قائمة في أحد طرفي الساحة حيث يتسنى له توجيه أعمال رجاله. وكان في الكومة ثلاث مجموعات من القضبان الضابطة. وكانت إحدى تلك المجموعات تُضبط ضبطاً آلياً. وأما الثانية فكانت عبارة عن قضيب للطوارىء، كلف ولتر زين بإدارته. فأطلق عليه اسم «زيب» وقد وضع هذا القضيب الثاني من باب الاحتياط ليلجأ إليه في حال إفلات التفاعل المتسلسل من زمامه لدى انطلاقه، في ما إذا عجزت القضبان الآلية عن تأدية وظيفتها. وأما القضيب الثالث فتقع مهمة سحبه ببطء على عاتق فيزيائي شاب يدعى جورج وايل.

ووفقاً لتقديراتهم، كان في مقدور أي من هذه القضبان الضابطة منع تفاعل متسلسل، غير أنه قد يحدث ما ليس في الحسبان، ولذلك كان فريق الانتحار على أهبة الاستعداد: ثلاثة شبان انتصبوا على منصة تطل على الكومة، مستعدين لغمرها بمحلول من الكادميوم إذا عجز الآخرون عن السيطرة على التفاعل المتسلسل. وفي أول الأمر قام كل رجل بتأدية الدور الذي أسند إليه. ثم سحبت القضبان الضابطة الآلية.

وفي الساعة العاشرة إلا ربعاً نادى فيرمى صارخاً: “إسحب”. فسحب ولتر زين القضيب باليد وربطه بإفريز -قطعه من النُّحاس- الشرفة. ولم يتبق في الكومة سوى قضيب واحد. فوقف جورج وايل بالقرب منه، على استعداد لتشغيله حين يشير إليه فيرمي بذلك.

وكان على الشرفة عدّادات وأدوات أخرى، من جملتها آلة تسجيل ستقوم ريشة قلمها المهتزة برسم خط متصاعد، مشيراً إلى مبلغ حدة الإشعاع في داخل الكومة. فإن جرت الأمور وفقاً للخطة الموضوعة، فسيتحرك ذلك الخط فى حركة تصاعدية ثم ينخفض لدى سحب القضيب قدماً نقدماً إلى أن يصبح أفقياً مستوياً. ولكن حين يسحب القضيب كلية تبدأ عملية التفاعل المتسلسل فإن الخط يواصل اتجاهه صعداً من دون انخفاض.

وخاطب فيرمي بعض الزوار قائلاً: “سنرى الآن إن كانت حساباتنا صحيحة”. وتجلى للجميع بأن فيرمي لم يكن يخالجه أدنى شك في صحتها. وقد وصفه أحد الحضور قائلاً: “لقد بدا واثقاً من نفسه تمام الوثوق، الوثوق المجرد من كل غرور واعتداد”. فحافظ على الهدوء والأناة طوال نهار أثار مختلف المشاعر في نفوس المشتركين الآخرين.

وصاح فيرمي، ونظره ثابت على الأدوات: “جورج، اسحبها إلى مدى ثلاثة عشر قدماً”. التفت إلى المتفرجين، مشيراً إلى المسجل، قائلاً: “سيتحرك القلم إلى أعلى حتى يبلغ هذه النقطة ثم يتحول إلى الاستواء”.

ولم ينبس أحد بكلمة حين سُحب القضيب، وراحت نقرات العدادات تتابع، وأخذ القلم يسير إلى أعلى واستوى خط القلم في عين النقطة التي دل عليها فيرمي.

وطلب ثانيةً من وايل أن يسحب القضيب أكثر بقليل في هذه المرة. وعاد القلم ثانية فبلغ النقطة التي كان فيرمي قد قدرها ثم أخذ بالاستواء، وحين أخذت سلسلة الأحداث هذه تعاد مراراً وتكراراً، راح الزوار يرقبون قلم المسجل والكومة، المتمثلة لأوامر فيرمي، وعيونهم مسمرة على ما يجري أمامهم.

أدركهم منتصف النهار وهم في غفلة من ذلك. ولم يكن فيرمي قد أصدر الأمر بسحب القضيب كليةً، إذ كانت الحكمة تدعو إلى التقدم بكل حذر، وخطوة خطوة. وأخذ جو التوتر السائد في الغرفة يزداد.

وإذ بفيرمي يعلن قائلاً: “إنني لأشعر بالجوع. فلنذهب كي نتناول طعام الغداء”.

وبعد الغداء احتل كل مكانه واستؤنفت التجربة. فسُحب القضيب قدَماً قدَماً، وأخيراً في الساعة الثالثة والربع من بعد الظهر، طلب فيرمي إلى جورج وايل أن يسحب القضيب قدماً آخر، القدم الأخير. واستدار فيرمي نحو آرثر كومبتون الواقف إلى جانبه، قائلاً: “إن هذا سيقوم بالعملية”.

وأزال وايل آخر قضيب من الكومة. فأخذ القلم يتصاعد من دون أن ينثني إلى الاستواء. وما لبثت عدادات الجايجر أن راحت تسجل بسرعة فائقة حتى أن الأذن البشرية عجزت عن تمييز نقراتها.

وتناول فيرمي مسطرته الحاسبة وشرع يحسب معدل سرعة انطلاق البروتونات، وكرر عملياته الحسابية بعد دقيقة، وكذلك بعد ثلاث دقائق. فلو ظل معدل السرعة ثابتاً، لتبين بأن التفاعل المتسلسل قد أصبح متواصلاً بصورة تلقائية.

وقد وصف جورج وايل تلك اللحظة فيما بعد فقال:

“كان علي أن أراقب فيرمي في كل ثانية في انتظار أوامره. فبدأ وجهه صامداً منعدم الحركة. وكانت عيناه تنتقلان بسرعة خاطفة من عداد إلى آخر. وارتسمت ملامحه بسكون بالغ كما لو كانت تنم عن القساوة. ولكن هذه الملامح انفرجت فجأة عن ابتسامة عريضة”.

وطوى فيرمي مسطرته الحاسبة معلقاً: “إن التفاعل المتسلسل متواصل بصورة تلقائية”.

واستمر فيرمي يشغل الكومة ثمانٍ وعشرين دقيقة أخرى. ثم صرخ قائلاً: “ادفع داخلاً”. وانتهت التجربة. ولأول مرة تمكن الإنسان من إحداث تفاعل متسلسل متواصل بصورة تلقائية يمكن التحكم فيه.

وأخرج يوجين فاجنر زجاجة من النبيذ الأحمر راح العلماء يحتسونه من أكواب ورقية بكل وقار، ثم وقعوا على زجاجة النبيذ المغلفة بغلاف من القش. وما من أحد إقترح شرب نخب من الأنخاب. لقد كان بوسعهم أذ ذاك شرب نخب العصر الذري. إذ أن معظم العلماء مجمعون على أن يوم 2 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1942 هو بداية ذلك العصر.

مشروع القنبلة النووية – منطقة منهاتن

وفي صيف 1943 انتقل مشروع البلوتونيوم إلى فريق مهندسي وزارة الدفاع، وأُطلق عليه اسم سري هو “منطقة منهاتن“. فقد كان الجيش يحتاج إلى البلوتونيوم لصنع القنابل. كما كانوا يحتاجون إلى كميات وافرة منه وبمنتهى السرعة. وفي السنتين التاليتين انكب فيرمي على العمل كمصمم ومهندس ومستشار حين بوشر بإنتاج الكومات الذرية في أوك ردج في أول الأمر، ومن ثم في هانفورد، واشنطن.

وأجرى تفكيك كومة شيكاغو الأصلية ثم نقلت إلى مقر آخر خارج المدينة في مختبر أرجون القومي. وأعيد تركيبها هناك فاستخدمها فيرمي كورشة يسترشد بها في تركيب كومات أضخم وأكثر تعقيداً وكأداة للبحوث الأساسية في الفيزياء النووية.

وأولى المشاكل التي كانت توجب حلها قبل أن يشرع في إنتاج الكومات الذرية الحكومية كانت مشكلة إقامة ستار حاجب، إذ كانت أسباب الوقاية تستلزم حجب كميات الإشعاع الهائلة المنبعثة، فمن أي مادة يجب أن تصنع تلك الستائر وكم يجب أن تبلغ كثافتها؟

واعتزم فيرمي الحصول على الأجوبة عن طريق تجارب يقيمها على الكومة الأصلية. فقدر بأن الفولاذ والبرافين هما أفضل المواد لذلك الغرض، ثم طلب إعداد مركبات من هذه المواد لتستخدم كنماذج . وحين أصبحت تلك العينات جاهزة وضعت بالقرب من قمة الكومة، واندفع فيرمي كالمحموم يجري قياساته إذ كان يسابق الزمن لكسب الوقت. وما تسنى له سوى الحصول على أجوبة غير وافية، ولما لم يكن ثمة وقت لإجراء مزيد من التجارب، اضطر إلى الاعتماد على حدسه وكفاياته الرياضية. وعلى الرغم من ذلك، فقد وجد حلولاً للمشكلة، وكانت الحلول مُصيبة، وكانت في 1955 لا تزال قيد الاستعمال.

وأن تلك الفطرة الغريزية التي مكنت فيرمي من سلوك أقصر السبل في الوصول إلى الحل اختصرت الوقت بمقدار لا يستهان به في الجملة التي قام بها الجيش للحصول على مواد صالحة للقنابل. وأقيم دليل رائع على ذلك في هانفورد، واشنطن، عام 1944. فقد كانت هنالك كومة بلوتونيوم ضخمة في آخر مراحل الإنتاج. وكانت قد بلغت النقطة (الحاسمة) وسُحبت القضبان الضابطة جميعها، وإذا بالكومة تتوقف. وأسقط في يد المشرفين عليها، فاستدعي فيرمي، واستطاع بمساعدة مسطرة حاسبة تشخيص العلة في وقت قصير. فقد كانت إحدى المواد المنبثقة من عملية الانشطار، وكانت نظيراً للكسينون، آخذة في امتصاص النيوترونات بسرعة هائلة. ولم يكن من الصعب معالجة هذا الوضع وقد عُرف السبب.

واشتهر فيرمي بين العلماء، بكثرة الأشياء التي كان يمكنه القيام بها بوساطة مسطرته الحاسبة. وقد وصف س . ك . أليسون سفرة في القطار كان قد قام بها بصحبة أرثر كومبتون وفيرمي. فقد كانوا في طريقهم إلى واشنطن لزيارة الورشة في هانفورد، وكانت الرحلة طويلة. وبدت على فيرمي علامات الملل فقرر آرثر كومبتون أن يروّح عنه بتشغيله.

فقال له: “حين كنت مكباً على دراسة الأشعة الكونية فى جبال الأنديس، لاحظت بأن ساعتي لا تحافظ على الوقت المضبوط في الارتفاعات العالية”. وواصل الدكتور كومبتون كلامه قائلاً أنه أخذ منذ ذلك الحين يمعن التفكير في ذلك الأمر وأنه توصل أخيراً إلى شرح مُرضٍ لذلك. فهل باستطاعة فيرمي معرفة ذلك الحل؟

فانتبه فيرمي للحل وطفقت عيناه تشعان اغتباطاً بتوفر عمل للحل. فتناول مسطرته الحاسبة وتناول بعض الأوراق. وانهمك مدة خمس دقائق بحل معادلات لجذب الهواء داخل رقاص الساعة، على مدة دورة الرقاص، وكذلك حول التغير الطارىء على هذا التأثير حين يكون الضغط منخفضاً في الارتفاعات العالية، ثم أخبر أرثر كومبتون بالضبط عن طبيعة الوقت الذي حافظت عليه ساعته في الأنديس.

وقد قال س. ك. أليسون، الذي كان يراقب العالِمين، بأنه يستبعد جداً أن تغرب عن ذهنه تلك النظرة التي ارتسمت على وجه الدكتور كومبتون حين فاجأه فيرمي بالجواب الصحيح.

القنبلة الذَّرية

لقد مثل فيرمي دوراً حاسماً في أعمال البحث والتطوير التي مهدت الطريق لصنع القنبلة الذرية. وقد يتبادر إلى الذهن بأن وظيفته التالية ستكون ذات علاقة في صميم السلاح نفسه. وهذا ما حصل بالضبط. ففي عام 1944 ذهب فيرمي إلى لوس ألاموس في نيو مكسيكو حيث أسندت إليه مسؤولية إدارة قسم التطوير العالي للقنبلة الذرية.

وكانت لوس ألاموس آن ذاك مليئة بالفيزيائيين النطريين، إذ أن القنبلة كانت بالضرورة نتاج تقديرات رياضية. فما كانت القنبلة في الأساس سوى تفاعل متسلسل سائب، لا تصحبه قضبان من الكادميوم تخفف من اندفاعه أو توقفه. وعليه لم يكن في وسع العلماء تكتيل مواد قابلة للانشطار ما لم تبلغ الكتلة الحجم الحاسم. فكان عليهم حساب ذلك الحجم الحاسم. فإذا ما أخطأوا الحساب، ستكون النتيجة واحداً من اثنين إما ألا يكون هناك انفجار، وإما ألا تكون هناك لوس ألاموس. .

وإذ كان فيرمي مستشاراً لجميع المراحل التصميمية للقنبلة، كان دوماً يلجأ إلى استخدام مسطرته الحاسبة. فحين كان أحد العلماء يأتي إليه حاملاً بعض النتائج التجريبية المهمة، كان فيرمي لا يطلع عليها بل يقول للعالِم : “قل لي ما كنت تستهدف عمله في التجربة، وسأحسب النتيجة النهائية. فإن اتفقت حساباتي مع تجربتك، يمكننا الاطمئنان إلى أن النتائج التي حصلت عليها مضبوطة”.

وكان فيرمي يتميز بهذا النوع الخاص من المعالجة للمواضيع ، فلم يكن ليَقنع بظاهر النتائج الحاصلة عن التجارب. بل يحاول دوماً أن يتبين الطرق التي أدت إليها. فحين كان يطالع تقريراً في مجلة عملية عن تجربة ما، فإنه يواصل القراءة إلى أن تتضح أمامه المسألة المنوي حلها. ثم يستخدم مسطرته الحاسبة كي يحسب الحل بنفسه، ويرى إن كان حله يتفق والحل المذكور. فكانت تلك العملية تستغرق منه وقتاً أقصر عمّا لو أنه قام بالاطلاع على الطرق التي اتبعها المؤلف للحصول على أجوبته.

وعلى الرغم من ثقل وطأة العمل للحصول على القنبلة الذرية، إلا أن فيرمي كان يتمكن أحياناً من ترك مختبره ليستمتع برياضة التزلج أو لتسلق الجبال المجاورة للوس ألاموس. وكان يرافقه في التزلج إميليو سيجري، صديقه وزميله القديم في روما، الذي كان يعمل كذلك على تصميم القنبلة. وكان يندفع في التزلج بحماسة شديدة، وإن كانت تعوزه الرشاقة في الأسلوب، فكان يجثم على مزلاجه بما يسعه كي يتجنب التعثر والوقوع. وعلى غرار تركيباته داخل المختبر، فقد كان أسلوبه في التزلج مجدياً، على الرغم من كونه بدائياً، يمكّنه من الانحدار السريع، وكان من دواعي اغتباطه إتعاب الشباب الأحدث منه سناً في هذه الرحلات. ويروى أن فيرمي وحارسه جون بودينو عادا ذات يوم من المنحدرات، وقد بلغ الإعياء من بودينو مبلغاً بحيث اضطر فيرمي إلى حمل بندقيته.

واختتم عمل فيرمي في لوس ألاموس بخاتمة عنيفة في 16 تموز/ يوليو من عام 1945. ففي ذلك اليوم فُجرت أوّل قنبلة ذرية في ألامو جوردو. وراح صانعوها يشاهدون العمليه وفد قاموا بوصف الانفجار كما وصفه كثيرون غيرهم: حدة النور وعنف عصف الريح والهدير الذي يصم الآذان.

ولا يُستبعد أن يكون فيرمي هو المشاهد الوحيد الذي لم يسمع انفجار القنبلة. فقد كان منهمكاً بإسقاط قصاصات من الورق على الأرض لدى انفجارها وقال فيما بعد أنه لم يسمع شيئاً بالمرة، فإن هبة الهواء الناتجة عن القنبلة أطارت الورقات مسافة لا يستهان بها، فراح فيرمي يتبعها ويعد خطواته. واستطاع بوساطة الرقم الذي حصل عليه من تقدير قوة (الهبَّة)، وقد أمدته تجربته البسيطة بالرقم نفسه الذي تم التوصل إليه عن طريق أجهزة معقدة كانت قد أُعدت للغاية نفسها.

وبعد أن أنهى فيرمي حساباته استقل عربة مصفحة بالرصاص من نوع شرمان وذهب لاستقصاء الفوهة التي تركها أول سلاح نووي تم تفجيره. وأما القرار النهائي لإسقاط القنبلة الذرية على المدن اليابانية فقد اتخذه الرئيس ترومان. وقبل اتخاذه القرار عين لجنة استشارية، وكان فيرمي أحد العلماء الأربعة الذين عُينوا كي تسترشد اللجنة بآرائهم. وقد أشارت اللجنة على الرئيس ترومان باستخدام القنبلة.

عربة شيرمان التي استقلها فيرمي لتفقد مكان التفجيير النووي في ألامو جوردو

وقد أحس عدد كبير من علماء الذرة بالمسؤولية لدى تدمير هيروشيما وناغاساكي بالقنبلة الذرية. واعتقد بعضهم بأنه كان يتوجب عليهم الكف عن العمل حالماً أدركوا بأن القنبلة الذرية أصبحت في حيز الإمكان. وأما فيرمي فلم يشاركهم في هذا الرأي. فكان يعتقد أن الجهالة لا يمكنها قط التفوّق على المعرفة، حتى وإن كانت المعرفة قاسية.

بيد أنه في عام 1949، حين غدت القنبلة الهيدروجينية، العظيمة الخطر، في حيز الممكن، فإن فيرمي سجل رأيه فيها كتابة كما يلي:

“لقد ثبت بأنه ليس ثمة حدود لمدى قوى هذا السلاح (القنبلة الهيدروجينية) الفتاكة، ما يجعل وجودها والعلم بتركيبها خطراً على الإنسانية جمعاء. فلا سبيل إلى الشك بأنها مصدر للشر كيفما نظرنا إليها. إنه لخليق برئيس الولايات المتحدة، لا بل يتوجب عليه، أن يطلع الشعب الأمريكي والعالم على أن مبادىء الأخلاق الأساسية تحدونا إلى استنكار مباشرة لتطوير مثل هذا السلاح”.

ولقد حظيت آراء فيرمي السياسية باحترام حتى من أولئك العلماء الذين لم يشاركوه رأيه. والسبب في ذلك أنه كان يحرص دوماً على الإمعان في تمحيص الرأي والتدقيق فيه ويبذل قصارى جهده لتجنب التحامل أو التحيز في الأمور أياً كان نوعها. كما أنه كان ينظر إلى كفاياته نظرة حيادية. فقد كان فيرمي يعلم أنه ذو قدرة ذهنية فائقة، ما حداه قط شعوره بالحياء الكاذب إلى الحط من قدرها، كما كان على استعداد لتقبل الثناء الذي يستحقه، وما كان مطلقاً ممن يميلون إلى انتقاص النفس.

إلا أنه كان يعجز عن تطبيق نظرته المنطقية على الأمور جميعها بالطبع، فكان يحتار أمام الأمور الفنية. وقد قال لأحد طلابه ذات مرة: “إنني لأعجز عن تفهم رغبة شخص ما في رسم سماء خضراء أو حقل أزرق”. وقد اعترف كذلك بأن الموسيقى لا تحرك فيه ساكناً. فقد كان لا يحب من الألحان إلا البسيط.

وذات يوم ، وكان معظم العمل على القنبلة الذرية قد تم في لوس ألاموس، طفق فيرمي وسيجري يتحدثان عن مشاريعهما للمستقبل. وكان فيرمي إذ ذاك في الرابعة والأربعين من عمره. وقلائل هم الفيزيائيون الذين قاموا بأي عمل إبداعي على جانب من الأهمية بعد الأربعين، لذلك كان الأوان قد آن لانسحاب فيرمي من خضم الأعمال، وقضائه الوقت في استقصاء اكتشافاته السابقة وتمحيصها. لقد كان بوسعه أن يصبح “ملك النيوترونات” على حد قول سيجري.

غير أن تلك الفكرة لم ترق مطلقاً لفيرمي، فضحك واستشهد بإحدى شعارات موسوليني قائلاً: “التجدد أو الهلاك”. وما لبث أن أكب على العمل مستقصياً آفاق جديدة في الفيزياء.

ما بعد القنبلة النووية

وعاد فيرمي إلى جامعة شيكاغو في عام 1946. إذ كان قد قبل أستاذية فخرية كما كان عضواً كذلك في معهد الفيزياء النووية الجديد، وهو مؤسسة أقيمت للأبحاث الأساسية، وفي المعهد راح فيرمي يداعب بدعة خلابة جديدة وهي جهاز رحوي (سيكلوترون) كان قد ساهم في تصميمه. فبوساطة مجال السيكلوترون الذي يتذبذب بذبذبة أمواج الراديو كانت سرعة الدقائق تتضاعف أضعافاً مضاعفة ثم تستخدم لشطر النوى الذرية. وبمساعدة السيكلوترون، أكب فيرمي على دراسة الميسونات ، وهي دقائق ترافق الطاقة التي تحافظ على تماسك النواة – وبالتالي جميع أنواع المادة – بعضها ببعض.

وفي أثناء تلك المدة أخذ فيرمي يهتم كذلك بالدقائق الفضائية السريعة الحركة التي يطلق عليها اسم الأشعة الكونية، وتقدم بنظرية تشرح منشأها. وقد افترضت هذه النظرية وجود مجالات مغنطيسية هائلة في الفضاء الخارجي والتي تستطيع، على غرار السيكلوترون ولكن على نطاق أوسع بكثير، مضاعفة سرعة الدقائق. وقد أيدت عمليات الرصد الحديثة نظرية فيرمي.

وتقيم نظرية فيرمي في الأشعة الكونية دليلاً آخر على مدى الإسهام البالغ لفيرمي في حقل الفيزياء، ذلك المدى الذي يثير الإعجاب ولا سيما في وقتنا الحاضر، إذ غدا من الصعب على العالم الإحاطة بجميع التطورات في حقل اختصاصه، ناهيك عن الإحاطة بنطاقه العلمي بأسره. وقد قال هانس بيث، وهو فيزيائي شهير كذلك بأن “فيرمي قد يكون أحد آخر زمرة من الفيزيائيين الذي ألموا بجميع نواحي الفيزياء تقريباً واستخدموها في أبحاثهم”.

وعلى الرغم من البرنامج المكتظ بساعات التدريس والبحث، فإن فيرمي كان دوماً يجد متسعاً من الوقت للرياضة التي يرى أن على المرء أن يمارسها بانتظام. فكان يركب دراجته يومياً قاصداً الكلية ويحاول دوماً إرهاق طلابه في رحلات طويلة أو في السباحة فى بحيرة ميتشيغان، ويتذكر أحد الطلاب أستاذه فيرمي فى حفلة طفق الحضور يلعبون فيها ألعاب الأولاد للترفيه والتسلية. فاشترك فيرمي في لعبة قذف العملة، إلا أنه انسحب منها حالما عرف بأنه لن يتسنى له الفوز فيها. وفي الحفلة نفسها شوهد وهو يبذل قصارى جهده ليكسب في لعبة الكراسي الموسيقية.

كان فيرمي يميل إلى اتخاذ أصدقاء له من الشباب وكانت صفوفه تغص بالطلاب، ولم يكن السبب في عادته في تغليف مادة موضوعه بغلاف من الفكاهة، بل إنه على النقيض من ذلك كان يدرّس موضوعه بجدية بالغة. فلم يكن يساوره أدنى ريب في مقدرته على شرح أي شيء مهما صعب بأسلوب يسهل على طلابه فهمه. وكان استغراقه بموضوعه واغتباطه في تبسيطه للآخرين باعثاً على انتشار “العدوى”. فقد قرر الكثيرون من طلابه التخصص في الفيزياء، وهكذا سيبقى تأثيره أمداً طويلاً.

الوفاة

توفي أنريكو فيرمي بسرطان المعدة في التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر 1954، وكان يدرس قبيل وفاته بأن حاله ميئوس منها. ويقول الذين كانوا يشاهدونه في ذلك الحين أنه كان يبذل جهده في التهوين عليهم. ويقولون كذلك بأن صيفه الأخير الذي قضاه في جنوبي فرنسا وإيطاليا كان صيفاً سعيداً بوجه العموم. ويذكر أحد الأصدقاء جدالاً قام بين فيرمي وبعض الأصدقاء الذين كانوا يقومون بزيارته في ذلك الحين فقد كان بعض أفراد الفريق يرغبون في أن يستقلوا سيارة للقيام بنزعة في الريف الإيطالي. وأما فيرمي فعارض تلك الخطة بكل عنف. وقد كان بالطبع يرغب في السير على الأقدام.

رسم توضيحي لمفاعل الماء المغلي، المصدر ويكيبيديا

المُفاعل النووي

ولو قدر لفيرمي أن يعيش عمراً أطول، لاستطاع أن يشاهد استخدام ابتكاره الخاص، الكومة الذرية أو المفاعل النووي – تُستخدم لتوليد تفاعل نووي متسلسل مُسْتَدَام وللتحكم فيه – ، لإنقاذ الحياة البشرية. ففي عام 1959 تم تركيب أول مفاعل نووي يقتصر استعماله على الخدمات الطبية. ويقع في مختبر بروكهافن القومي، ومن جملة منافعه العديدة معالجة المصابين بسرطان الدماغ .

وما يدعو للأسف كذلك أن فيرمي قضى نحبه قبل أن يشاهد محطة الطاقة الذرية في شيبينقبورت ، بنسلفانيا، التي دُشنت في عام 1957 . وكانت تلك أول محطات الطاقة الذرية الكبيرة التي ستستعمل للأغراض السلمية، كتوليد الكهرباء.

وقد أُكرم فيرمي بشتى الطرق قبل وفاته كما أكرم بعدها. فمنح في عام 1946 وسام الكونجرس للجدارة والاستحقاق، كما أعلنت لجنة الطاقة الذرية، التي سبق أن منحته 25,000 دولار في 1954 بأن مِنَحها المقبلة إلى العلماء ستحمل اسمه. وخُلد اسم فيرمي من قبل معهد الفيزياء النووية، الذي غدا الآن يعرف باسم معهد أنريكو فيرمي، وبإطلاق اسمه على عنصر جديد – فرميوم – 100.

وقد أغدقت على فيرمي شتى مظاهر الإكرام والتقدير من قبل أصدقائه وزملائه من العُلماء، كأستاذ وإداري وعالم وإنسان، ولعل أبلغها تلك الكلمات التي قالها آرثر كومبتون في ذاك اليوم الذي بلغت فيه الكومة الحجم الحاسم وأطلقت أول طاقة نووية يمكن التحكم بها.

كان الأستاذ كومبتون قد طلب الدكتور جيمز كونانت في هارفارد لإطلاعه هاتفياً على النبأ. وإذا كان كل ما يتعلق بالطاقة الذرية سراً من الأسرار العليا، فى ذلك الحين، فقد اضطر كومبتون إلى ارتجال عبارات خفية المعنى. فعندما اتصل بالدكتور كونانت على الخط، أعلن له النبأ بكلمات فهمت للحال إذ قال:

لقد بلغ الملاح الإيطالي العالم الجديد

المراجع

اترك تعليقاً