التحول الرقمي و إنترنت الأشياء

  تكنولوجيا المعلومات تعليقان

 كان الهاتف المحمول  مطلع القرن الواحد و العشرين متوفراً لقلةٍ من الناس، الأمر الذي تغير في غضون سنوات قليلة – قد لا تتعدى الخمس سنوات -، حتى لم يعد يخلو بيتٌ من عدة هواتف، هذا هو التطور التكنولوجي المتسارع الذي يحكم عالمنا اليوم، و هو ما نعنيه بالتَّحول الرقمي. والذي سيقودنا في غالب الأمر إلى الانتشار الكبير للتقنيات الجديدة، و من أهمها التقنية التي تسمى “إنترنت الأشياء” (Internet of Things – IoT).

قد يكون هذا التحول الرقمي بدأ أساساً باختراع الهاتف وتطوراته المختلفة، ثم  تطور لاحقاً باختراع الإنترنت وانتشاره للعامة، ثم  تطورَ الأمر وصولاً إلى الهواتف الذكية. في كل هذه الخطوات كانت وتيرة التسارع تزداد شيئاً فشيئأ، بمعنى أن الوقت الذي تحتاجه التقنية لتتغير تغيراً جوهرياً يقل في كل مرةٍ عن سابقتها.

صورة تعبيريية عن انترنت الأشياء ، المصدر : Pixabay

اليوم، نرى مدى الانتشار الواسع للهواتف الذكية بين الناس في مختلف الأماكن حول العالم، وقلما تجد أحداً لا يملك هاتفاً ذكياً يربطه بالعالم أجمع.  نقطة التحول الجوهرية التي نعيش آثارها اليوم قد تكون بدأت عام 2007 عندما أعلن ستيف جوبز (مؤسس شركة أبل) عن إطلاق هاتفه الذكي الأول ( iPhone ) ، هذه الانطلاقة التي كانت بمثابة خط البداية لسباق الهواتف الذكية حول العالم بين شركات التقنية و الاتصالات ، و هو ما سمح بالتحولات الرقمية المتسارعة حول العالم.

لنطرح مثالاً هنا عما نعنيه بالتسارع الرقمي، في يناير من العام 2008 كانت مبيعات شركة أبل من هاتف أيفون الذكي تبلغ 3.7 مليون جهاز، و خلال أقل من عقد بحلول عام 2014 تضاعف هذا الرقم ليصل إلى 500 مليون جهاز ذكي حول العالم ، وصولاً إلى  1.9 مليار جهاز ذكي (من شركة أبل و غيرها من شركات الهواتف الذكية) في عام 2019 حسبما تنبأت به شركة التقنية السويدية ايريكسون ( Ericsson ) في ذلك الوقت.

منحنى تبني التكنولوجيا

وضح العلماء الثلاثة جو مولن ، و جورج بييل ، و إيفيرت ريجورتز العاملين في جامعة ولاية آيوا للعلوم و التقنية ( Iowa State University of Science and Technology ) عام 1957 هذا الانتشار في “منحنى تبني التكنولوجيا”. حيث قاموا بوضع منحنى تنبؤي لانتشار الأشكال المختلفة من الاكتشافات،  يبدأ تبني أي تكنولوجيا جديدة بالقلة المكتشفة و المطورة له ، ثم تتبناه مجموعة أولى من الناس تُسمى ( المتبنون الأوائل)، و تالياً انتشاره بين العامة ، وصولاً إلى تبني حتى المتأخرين و المتشككين فيه و اعتماده كأسلوبٍ للحياة لا يمكن التعامل مع الواقع بدونه كما نرى مع الهواتف الذكية.

منحنى تبني التغيير

يتم هذا التكيف خلال فترة زمنية معينة ، قديماً كانت هذه الفترة تمتد لسنوات أو حتى عقود ، أما هذه الأيام مع ما نشهده من تحول رقمي متسارع تتقلص فترة التبني لهذه المنتجات إلى أشهر معدودة. عند إعلان  الهاتف الذكي الأول للعامة احتاج إلى سنوات قليلة ليُعتمد كأداة ضرورية لكل فرد، أما الآن فقد يحتاج المنتج التالي إلى أشهر معدودة ليصل إلى متناول الجميع حول العالم (الساعة الذكية كمثال).

انترنت الأشياء

مع انتشار الهواتف الذكية، إضافةً إلى التطور الواسع الذي شهدته تقنية التحكم بالموجات الراديوية ( RFID ) و الأشعة تحت الحمراء ( IR )، أصبح بالإمكان إضافة أي جهاز أو قطعة (أي شيء) إلى شبكة الانترنت ليتم التحكم به عن بعد، أو حتى تهيئته ليعمل و يتكامل مع الأجهزة الأخرى في الشبكة دون تدخلٍ مباشرٍ من الإنسان، عن طريق مشاركة البيانات و معالجتها بين الأجهزة المختلفة عبر الشبكة، و هذه هو ما نعنيه ب”إنترنت الأشياء”، أي ربط مليارات الأجهزة الالكترونية حول العالم مع بعضها و إمكانية مشاركة البيانات ومعالجتها  فيما بينها، من أصغر الأجهزة كالإضاءة في البيت إلى أكبر المعدات كمحركات الطائرات.

كيف بدأ انترنت الأشياء؟

في تسعينيات القرن العشرين وضع العلماء في مجال التكنولوجيا و الاتصالات نظريات مختلفة لكيفية تفاعل البشر مع الآلة،  إلا أن انتشار التطبيق لهذه النظريات لم يكن ممكناً، لأن وسائل التواصل التقني في ذلك الوقت كانت كبيرةً في حجمها الفيزيائي، صغيرةً في حجمها التخزيني، حيث كان من الصعب نقل البيانات من جهاز إلى أخر  ( كان من الشائع استخدام 10-20 قرص مرن لتحميل برنامج على جهاز الحاسوب، حيث  كانت السعة القصوى للقرص المرن وقتها 2.4 ميجابايت فقط ).

تطور الأمر لاحقاً بشكل تدريجي و بخطوات بطيئة، حتى بداية انتشار الهواتف الذكية، التي سمحت للعامة بامتلاك وسائل التواصل و التحكم التكنولوجي بأحجام صغيرة و أسعارٍ قليلة و سعات تخزينية عالية، إضافة إلى سهولة ربطها بشبكة الانترنت، و سهولة تزويد الأجهزة المختلفة بالحساسات و المعالجات المناسبة  و مكونات التحكم و الاتصال عن بعد، هذا التطور الذي قد يجعل المستقبل شيئأً أقرب للخيال العلمي منه إلى الواقع.

و قد تم بالفعل تطوير بعض المنازل الذكية، حيث يمكنك التحكم بكل شيء في المنزل عن طريق الهاتف الذكي، أو الساعة الذكية، أو حتى ب” الغمزة و الإشارة  الذكية” إذ يمكن التحكم بالأدوات عن طريق الأيماءات بالعينين أو اليدين، صحيحٌ أن تقنيةً كهذه لم تصل للعامة بعد، و لكنها ستكون بمتناولهم قريباً .

أمثلة..

قد تستيقظ من النوم صباحاً بسبب اهتزاز ساعتك الذكية التي ترتديها و أنت نائم، تلقي نظرة سريعة عليها لتتفحص مؤشرات نومك خلال الليل، كم استغرقت في النوم، كم مرة استيقظت، كم مرة تقلبت في الفراش، بمجرد استيقاظك تبدأ آلة إعداد القهوة بالعمل، تستعد للذهاب إلى العمل، تركب سيارتك ذاتية القيادة في مدينتك الذكية، تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي أثناء طريقك إلى العمل.

ساعة ذكية

و هذه المعلومات التي تجمعها هذه الأجهزة سوف تسمح للشركات المطورة لها بزيادة مبيعاتها اعتماداً على ما يريده المستهلك و ما يرغب به.

لكن من المتوقع أن تستحوذ  القطاعات الصناعية و قطاعات الأعمال المختلفة  على التقنية في بداية انتشارها، بسبب مساهمتها الكبيرة في المراقبة و التحكم بالجودة و الفاعلية للأجهزة و الأدوات المختلفة، مثلاً، ربط مجموعة الآليات في الموقع الإنشائي بشبكة الانترنت، مما يمكن من مراقبة انتاجيتها و فاعيلتها، و أماكن عملها وإدارة الموقع بشكل أسلس، مما يساعد على توفير الوقت والجهد و رفع كفاءة العمل.

المَخاطر

بحلول عام 2025 سيكون هناك 41.6 مليار قطعة متصلة بالانترنت كما تنبأت بذلك شركة آي دي سي للتقنية ( IDC ) و النسبة الأكبر من هذه الأجهزة ستكون للقطاعات الصناعية وقطاعات الأعمال، كما سيتجاوز الإنفاق على هذه التقنية مبلغ تريليون دولار بحلول عام 2022. أي أنَّ كل شيء نسبح في فلكه هو عبارة عن مجموعة من الأشياء المتصلة بالانترنت والتي تعطي معلومات عنا للكثير من الجهات بعلمنا وربما دون علمنا.

وكما أي تطور، تزداد التخوفات من أضرار هذه التقنية على الجنس البشري، هذه التخوفات تتفرع لتشمل العديد من الجوانب، منها جانب خصوصية المستخدم و حماية معلوماته من مشاركتها دون إذن منه. جانبٌ آخر هو حلول الآلة الذكية مكان الإنسان في الأعمال المختلفة، إضافةً إلى ما قد تخلقه هذه التكنولوجيا من جرائم وأسلحة وحروب جديدة وتلوث بيئي ونفسي.

المستقبل قادم، بل المستقبل هنا ..

في العشرين سنة القادمة قد لا نتعرف على كوكبنا لما سيطرأ عليه من تغييرات، المستقبل وصل بالفعل، والواجب تجاهه هو التأقلم سريعاً مع التطورات المختلفة، فمن لا يواكب التطور يندثر، و لهذا نرى أنَّ العديد من الشركات التي كانت قبل سنين تستحوذ على السوق والمستهلك لا أثر لها اليوم.

المصادر:

2 thoughts on - التحول الرقمي و إنترنت الأشياء

اترك تعليقاً