جوناس سالك مُكتشق لُقاح شلل الأطفال

  أعلام لا توجد تعليقات

في ربيع عام 1945 وصيفها اشترك مليون ونصف المليون من طلاب المدارس في أميركا في تجربة علمية من الدرجة الأولى. فقد لقح بعض هؤلاء الصبية والبنات بلقاح أحمر اللون كان يرجى منه وقايتهم من خطر الإصابة بالبوليو، أو شلل الأطفال، الاسم الذي يعرف به عادة.

 وطُعِّم بعضهم الآخر بسائل عديم الفائدة يعرف بالبلاسيبو، كي يخدم كضابط علمي. وكان السائل أحمر اللون كذلك. وكان الطفل يجهل أن كان نصيبه الطُّعم أو البلاسيبو، كما كان يجهل ذلك أيضاً والدا الطفل بل والطبيب الذي قام بتلقيحه. فالعلماء القيمون على التجربة هم وحدهم كانوا يعلمون بواسطة أرقام سرية مسجلة على كل أنبوب جرى استخدامه فيما إذا كان الأنبوب يحتوي لقاحاً أم بلاسيبو. وهكذا فقد أجريت التجربة بحيث لا تتأثر نتائجها بآراء الأشخاص المشتركين بها أو بعواطفهم. 

وروعيت غاية الدقة في تسجيل أعداد الأولاد المصابين بشلل الأطفال في الموسم الوبائي اللاحق ونوعيته، وقورنت هذه الحقائق والأرقام بإحصاءات مماثلة لأوبئة الشلل السابقة. وبعد مضي أحد عشر شهراً على المباشرة بالتجربة أعلنت النتائج: لقد اكتُشِفَ لقاح مأمون فعال ضد شلل الأطفال. فبلغ معدل الوقاية ضد العدوى بهذا المرض 79 مئوية بين الأولاد الذين أعطوا اللقاح. 

وواجهت لجنة العلماء التي اجتمعت فور إذاعة الخبر مشكلة خطيرة الشأن، إذ كان منوطاً بها أمر التقرير فيما إذا كان ينبغي على حكومة الولايات المتحدة إجازة اللقاح والموافقة على إنتاجه على نطاق صناعي واسع لاستعمال الجمهور. فقد كان من جملة مقومات اللقاح فيروس يعرف بالنَّوع الماهوني يسبب نوعاً من أنواع شلل الأطفال الفتاكة. وعلى الرغم من أن النوع الماهوني كان قد «طبخ» في محلول من الفورمالدهيد للقضاء على كل تلك الفيروسات الدقيقة الفتاكة، إلا أن الفحوص كشفت على أن الفيروسات كانت لا تزال حية في بعض فئات اللقاح. ولم تستخدم تلك الطعوم أبداً على الكائنات البشرية، إذ قد بذلت الجهود في داخل المختبر للحصول على طرق اختبار تضمن لقاحاً مأموناً. ومع ذلك فقد ساد الشعور بين العلماء الأعضاء الأكثر تحفظاً في اللجنة بوجوب عدم تعريض الأطفال في مختلف أنحاء الولايات المتحدة إلى مفعول اللقاح قبل أن تمضي عليه مدة أطول في الفحص والتحسينات. 

ورأى بعض العلماء بأنه ليس ثمة ما يسوّغ مثل هذا التأخير. فقد يتراوح عدد المصابين بشلل الأطفال في السنة اللاحقة ما بين الخمس والثلاثين والخمسين ألفاً. فهل يجدر باللجنة منع الوقاية عن هؤلاء الآلاف الذين، وفقاً للإحصاءات، سيقضون نحبهم أو يصابون بالشلل. أما أكثرية العلماء في اللجنة فاعتقدوا بضرورة عرض اللقاح للسوق فوراً وفيما يجري استخدامه لإنقاذ الأرواح يكون في الإمكان دراسته وتحسينه. وهكذا أجيز استعمال اللقاح، وما تلي ذلك دخل سجل التاريخ. في أواخر العقد الرابع بدأ بحث واسع النطاق عن لقاح فعال ضد شلل الأطفال. وكان ذلك البحث في بعض نواحيه يشبه حرباً تشن على جبهات متعددة كان يقودها قائد مختص. وكان يرأس إحدى تلك الحملات النهائية رجل يدعى جوناس سالك، طبيب في مقتبل العمر هادئ الطبع وشديد الحماسة، وقد غدا، على الرغم من تخوفه، من أشهر علماء عصره.

جوناس سالك يقوم بتطعيم طفلة في ذراعها في عام 1956

الولادة والنشأة

ولد جوناس إدوارد سالك (Jonas Salk) في مدينة نيويورك في 28 تشرين الأول (أكتوبر)، 1914، أي قبل سنتين من انتشار أسوأ وباء لشلل الأطفال عرفته الولايات المتحدة. وتوفي في كاليفورنيا في 23 تموز (يونيو) 1995. وكان والده دانيال سالك، صاحب مصنع للملابس النسائية في منطقة تجهيز الملابس في نيويورك حيث يبلغ التنافس التجاري أشده. ولم تكن أسرة سالك قط من الأسر الميسورة الحال. فاضطر جوناس، الذي كان أكبر أولاد الأسرة الثلاثة، إلى العمل في أوقات فراغه كي يساعد في تعليم نفسه، كما كان يشتغل في الصيف كمرشد في مخيمات الأولاد كذلك.

وكان جوناس فتى ذكياً نبيهاً، كثير المطالعة، مجداً في دراسته، إلا أنه لم يكن ذا اهتمام خاص بالعلوم. وكانت الفيزياء الموضوع العلمي الوحيد الذي تلقاه وهو في تاونسند هاريس هول، المدرسة الثانوية للطلاب المتفوقين. بيد أنه قرر دراسة بعض المواضيع العلمية وهو في سنته الجامعية الأولى في كلية مدينة نيويورك من باب حب الاستطلاع على حد قوله. وبلغ اهتمامه بها حداً جعله يقلع عن عزمه دراسة المحاماة ويكب على الدراسة العلمية بهمة ونشاط.

وعندما تخرج جوناس من كليته (وكان في التاسعة عشرة من عمره فقط) بدأ دراسة الطب، لا لممارسته كمهنة بل لتهيئة نفسه لحياة مهنية في البحث الطبي. وقد أشار عليه الكثيرون بأنه لن يجني مالاً وفيراً في حقل الأبحاث، غير أن جوناس لم يكن ليأبه بالمال مطلقاً، فلم يكن يعتبر المال أمراً ذا أهمية. وعقب ذلك بسنوات عديدة حين كان الناس يزدحمون حوله طالبين إليه إلقاء الخطابات أو تبني المشاريع أو دعم بعض المنتوجات، كان يرفض جميع هذه العروض، على الرغم مما تدره من المال. وكان تعليقه: «أن معظم هذه الأشياء من فصيلة معاطف الفراء الثمينة وسيارات الكاديلاك – غير ضرورية».

لُقاح شلل الأطفال (Polio vaccine)

حين كان جوناس في المعهد الطبي التابع لجامعة نيويورك، فاز بمنحة للقيام بالأبحاث في كيمياء البروتينات. وفي سنته الرابعة شرع في دراسة الفيروسات تحت إشراف الدكتور توماس فرانسيس الابن، وكان عالماً مرموقاً مختصاً بالفيروسات، حيث مثل دوراً مهماً في حياة جوناس العلمية المقبلة. كانت الفيروسات قد اكتشفت منذ أربع وأربعين سنة فقط على يد عالم روسي يدعى إيفانوفسكي. ولم يكن العالم قد شاهد فعلاً هذه النقاط الدقيقة الحجم للغاية (فإن صفاً من فيروسات شلل الأطفال يبلغ في عدده المليون يكاد لا يبلغ بوصة واحدة)، بل استدل على وجودها بواسطة مختلف التجارب. وقد كشفت أبحاث أخرى قام بها بعض العلماء الآخرين على أن للفيروس خصائصَ شديدةَ الخطورةِ يمتاز بها، فإنه، على خلاف البكتيريا، المكتفية ذاتياً، لا يتكاثر إلا بعد أن يدخل الخلايا الحية للفرد الذي يهاجمه. فبعد أن يدخل الفيروس الخلية يسيطر على أعمال الخلية ويستخدمها لتوليد عدد أكبر من الفيروسات، وبعمله هذا، يسبب عادة تلف أو هلاك الخلية.

وغالباً ما تشن الفيروسات المسببة للبوليو المسبب للشلل هجومها على الخلايا العصبية. وهذا هو السبب في تسمية الداء «بوليومايلتس» المشتقة من الكلمات اليونانية التي تطلق على النخاع الرمادي، والتي تعني التهاب المادة الرمادية الكائنة داخل العمود الفقري.

وليس شلل الأطفال من الأمراض الحديثة العهد، فقد وجدت بعض آثاره حتى في الموميات المصرية. ومع ذلك ليس ثمة أية سجلات تشير إلى تفشي الوباء قبل القرن العشرين. وما يدعو إلى الاستغراب أن السبب في ذلك توفر الوسائل الصحية. توجد فيروسات البوليو في البراز البشري، فيما مضى لم تكن ثمة وسائل صحية مناسبة للتخلص من تلك النفايات، لذلك كان يتعرض أكثرية الناس إلى صنوف مخففة من الشلل في سن مبكرة من حياتهم، بحيث كانت تنمو لديهم مقاومة ضد المرض. ولما أخذت وسائل تصريف النفايات البشرية تعم أكثر فأكثر، أضحى احتمال تعرض الناس للبوليو في حداثتهم يقل رويداً رويداً. وهكذا، كلما كان الشخص المصاب بشلل الأطفال لأول مرة أكثر تقدماً في السن، اشتدت حدة إصابته بالعدوى.

وهكذا على الرغم من أن شلل الأطفال أخذ يزداد خطراً مع ازدياد الوسائل الصحية المحسنة، فإن معلومات العلماء عنه ظلت في غاية الضآلة حتى مرحلة حديثة العهد جداً، كما كانت دراسة شلل الأطفال البحثية تتقدم بخطى بطيئة بسبب انعدام خطة شاملة وعدم توفر الأموال. فقد كانت هناك حاجة إلى منظمة يسندها مبلغ كبير من المال تنفق على أبحاث في شتى مظاهر شلل الأطفال المتعددة تجري جميعها في آن. وفي عام 1938 قام الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بإنشاء هذه المؤسسة الضرورية، لمعالجة المصابين من ناحية وللقيام بالأبحاث من ناحية أخرى، حيث إن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت كان ضحية من ضحايا شلل الأطفال هو الآخر. وقد أطلق عليها اسم «المؤسسة القومية لشلل الأطفال»، ساهم في تمويلها الشعب الأميركي من خلال “مَسيرَة السنتات”. 

ونال جوناس شهادة دكتور في الطب بعد مضي سنة على إقامة المؤسسة القومية. وهكذا استكمل سالكانت تنك تعليمه في الوقت الذي بوشر فيه بتمحيص شلل الأطفال على نطاق واسع تقريباً. وما لبث أن انضم إلى صفوف العلماء الذين كانوا يشتغلون مع المؤسسة. 

وكان هؤلاء العلماء يوجهون جهودهم لصنع لقاح ضد شلل الأطفال. وكي يتسنى لهم ذلك كان عليهم أن يجدوا طريقة مأمونة لحقن فيروسات شلل الأطفال داخل الجسد البشري. فيقوم جهاز الإنسان برد هذه المهاجمة المأمونة العاقبة بتكوينه أجساماً مضادة للعدوى، أو بتعبير آخر مواد تقاوم المرض. فيصبح الشخص الذي يحوي دمه هذه الأجسام المقاومة ذا مناعة ضد شلل الأطفال. 

إلا أن ثمة عوامل ثلاثة تعرقل التقدم في تطوير لقاح مناسب. ففي أول الأمر، كان العلماء يحتاجون إلى كمية وافرة من فيروسات شلل الأطفال لتجاربهم، كي يتسنى لهم أن يتعرفوا على خصائصها. ولكنهم لم يتوصلوا إلا في عام 1949 إلى طريقة واحدة لتوليد الفيروسات. فكانوا يحقنون قرداً بكمية قليلة من الفيروسات وينتظرون تفشي العدوى فيه وتكاثر الفيروسات، وهذه الطريقة كانت بطيئة وباهظة التكاليف (فثمن القرد يعادل ثلاثين دولاراً)، وما هو أهم من ذلك بكثير أنها كانت بالغة الخطر، إذ لم يكن العلماء يستطيعون حقن الجسم البشري بالفيروسات المستخرجة عن هذه الطريقة فقد تسبب التهاباً في الدماغ الشديد الحساسية لها، وتلك حال أبلغ خطراً من شلل الأطفال نفسه. 

وفي الوقت نفسه استطاع فريق من البحاثين يرئسه جون ف. أندروز أن يجد حلاً لتلك المشكلة المزدوجة، فقد بينوا ضريقة لتكاثر الفيروسات داخل أنابيب الاختبار يمكنهم بواسطتها استخراجها بكميات وافرة، كما أن الفيروسات كانت تُنمَّى في أنسجة غير عصبية ومأمونة. 

وهكذا زالت إحدى العقبات الثلاث من الطريق، وبقيت اثنتان. كان ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الفيروسات، حين تهاجم القرد، تسير داخل المسالك العصبية فلا تدخل المجرى الدموي مطلقاً. فإن كانت الحال كذلك، فإن الطعام يكون عديم الفائدة، إذ مهما بلغ عدد الأجسام المضادة للبوليو والمتكونة في مجرى الدم، فلن يتاح لها مواجهة الفيروس المعادي. وفي عام 1952 حُلَّت تلك المشكلة على يد عالمين اشتغل كل منهما مستقلاً عن الآخر. فاكتشفا بأن الفيروسات تسري في الدورة الدموية في أولى مراحل عدوى شلل الأطفال، وتلت ذلك مرحلة كان قد أهمل استقصاؤها استقصاءً وافياً من قبل. وقد دل اكتشاف دوروثي هورستمان ودافيد بودان بأن في الإمكان محاربة البوليو بواسطة اللقاح. 

وأما المشكلة الثالثة التي لا تزال الإجابة عليها مستعصية على الرغم من سهولة بسطها، فقد تلخصت على النحو الآتي: ما هو عدد أنواع شلل الأطفال؟ أن الطعام يكون مجدياً إذا ما كان يقي الجسد من جميع أنواع الشلل، وكان العلماء قد جمعوا مائة من هذه الأنواع. وكان لا بد لهذه الأنواع من أن تفحص وتقارن وتصنف، وتلك بحد ذاتها عملية ضخمة للغاية. وعهدت المؤسسة القومية لشلل الأطفال إلى أربعة مختبرات جامعية للقيام بالمشروع. 

وكان جوناس سالك على رأس أحد هذه المختبرات. فبعد أن قضى الدكتور سالك مرحلة تدريبية في مستشفى ماونت سينا في مدينة نيويورك، فاز بمنحة دراسية من مجلس الأبحاث القومي، وهذه مكنته من الالتحاق بمعهد الصحة العامة في جامعة ميتشيغان، المعهد الذي كان يرأسه أستاذه السابق في المعهد الطبي، توماس فرانسيس الابن. 

ومنذ أن التحق جوناس سالك بالمعهد الطبي، كان اهتمامه بالطب الوقائي قد أخذ يزداد شيئاً فشيئاً، وازداد اهتمامه بنوع خاص بتطوير اللقاحات التي تجنب الناس شر الأوبئة الناتجة عن الفيروسات. وقد قال: «لقد حصلت على تدريب علمي وأتيحت لي فرص في الحقل الطبي لم تتوفر للكثيرين غيري، ولذا يحدوني شعوري بالواجب على استخدامها فيما ينفع المجتمع».

وكان أول عدو للمجتمع تصدى له الدكتور سالك فيروس الإنفلونزا. وعكف الدكتور سالك بمعية الدكتور فرانسيس على دراسة الإنفلونزا، جادين في البحث عن طرق أكثر فعالية لإكساب المناعة ضدها. وفي عام 1947 ترك سالك جامعة ميشيغان متوجهاً إلى جامعة بتسبرج كي يرئس مختبراً خاصاً به، فواصل هنالك دراسته للإنفلونزا مكباً على استقصاء مشاكل المناعة، ولم يمض وقت طويل حتى طلبت المؤسسة القومية منه الاشتراك بمشروع تصنيف شلل الأطفال. وكان حب الاستطلاع أحد الأسباب التي دفعته إلى قبول مهمته الجديدة، غير أنه ما لبث أن نخرَطَ كُلياً في عمل تصنيف بالغ الدقة لمختلف فصائل الفيروس.

وقبل أن يتم المشروع عام 1951 كان مختبر الدكتور سالك والمختبرات الثلاثة الأخرى التي كانت تعمل في المشروع نفسه قد استخدمت ثلاثين ألف قرد وأنفقت مبلغاً من المال يربو على المليون دولار. وكانت الاستنتاجات التي توصلوا إليها مشجعة: فقد أمكن تصنيف فصائل الفيروس المائة المختلفة في ثلاثة أجناس عامة (عرفت من باب التبسيط الجنس I والجنس II والجنس III). وكان معنى ذلك أن الطُّعم المحتوي على أنواع الفيروسات الثلاثة وهو وحده الذي يستطيع أن يمنح الإنسان وقاية ضد جميع أنواع شلل الأطفال.

وما إن أتم الدكتور سالك القسم الذي كان قد أسند إليه من العمل، حتى كان قد ألم بالخطوات الواجب اتخاذها لصنع لقاح مضاد لشلل الأطفال. وعلى الرغم من أنه كان قد درس شلل الأطفال لمدة قصيرة فقط إذا ما قورن بعلماء آخرين في الحقل نفسه، إلا أن ذلك كان في مصلحته حسب اعتقاد بعضهم. فلما كانت مشاكل شلل الأطفال، المعروضة أمامه جديدة بالنسبة إليه، فإنه لم يكن يحمل أية آراء مسبقة عنها، وعليه امتازت معالجته للموضوع بالجدة، كما أنه امتاز بمقدرة على تنظيم عدد كبير من العمليات والتجارب والمسائل المتوجب حلها وتصنيفها ضمن إطار برنامج مختبري. وخلاصة القول، كان سالك ذا مقدرة إدارية ممتازة.

وفي خريف العام 1951، كان جوناس سالك على استعداد للقيام باستخراج لقاح ولوضع منجزات عدد كبير من مختلف العلماء قيد التنفيذ العلمي. وبمساعدة الأموال المستمدة من المؤسسة القومية شرع الرجال والنساء العاملون في مختبر سالك في بتسبرج في صنع اللقاح، وقد وصفوا بأنهم فريق من أسرع فرق المختبر التي يذكرها العهد الحديث من حيث إنجاز الأعمال. 

وهذه خلاصة طريقة إعداد اللقاح، مع إسقاط جميع النواحي التفصيلية وشتى المحاولات المصيبة منها والمخطئة: كانت أنسجة مستخلصة من كلية القرد المعروف بالريسوس تفرم فرماً ناعماً جداً، ثم توضع كل قطعة داخل زجاجة ويضاف إليها محلول غذائي يحفظ النسيج حياً، وكان ذلك المحلول، المعروف بمزيج 199، يحتوي على اثنتين وستين مادة، من جملتها الفيتامينات والمعدنيات والبنسلين. 

وبعد أن توضع الزجاجات أسبوعاً كاملاً داخل حاضنات، كانت تضاف إليها فصائل تمثل أنواع فيروس شلل الأطفال الثلاثة (استخدم سالك فصيلة الماهوني للنوع الأول)، لكل زجاجة منها نوع واحد. فكانت دقائق الفيروس ترتبط بخلايا الكِلية وتشرع بالتكاثر، تماماً كما تفعل في جسد إنسان لا تحميه أجسام مضادة له. 

وانطوت الخطوة التالية على استخراج الفيروسات التي تكون قد تكاثرت أضعافاً مضاعفة من الزجاجات والكشف عنها باستخدامها على حيوانات صغيرة الحجم للتأكد من أن الفيروسات لا تزال ذات فعالية وخالية من التلويث. ومن ثم كانت الفئات التي تجتاز الفحص تقتل بواسطة غمرها بمحلول كيماوي من الفورمالدهايد، المطهر ذو الرائحة القوية المعروف جيداً لدى كل من قام بتشريح حيوانات في صفوف علم الأحياء.

وفي نهاية الأمر، كانت أنواع الفيروس الثلاثة تدمج معاً، وبعد إجراء سلسلة من فحوصات السلامة الدقيقة المحكمة، كان اللقاح ذو اللون الأحمر الصافي يغدو جاهزاً للاستعمال. على الرغم من أن فيروسات البوليو كانت قد هلكت حين غمرت بالفورمالدهايد، أي أنها فقدت مقدرتها على التلويث أو التكاثر إلا أنها كانت لا تزال ذات قدرة على تنشيط توالد أجسام مضادة. وقد استغرقت عملية تطوير طعم مضاد لشلل الأطفال على يد الدكتور سالك ومختبره عاماً ونصف العام. وفي تلك الأثناء كانوا يعملون بانهماك شديد، لإدراكهم أن الهدف أصبح قريب المنال. غير أنهم ففي الوقت ذاته اضطروا إلى التقدم بكل حذر وخطوة خطوة. وقد وقع ذلك العبء المزدوج من الحذر والإسراع على كاهل الدكتور سالك. فكان سالك يقضي كل ساعات يقظته تقريباً في مختبره، وكثيراً ما كان يعمل ست عشرة ساعة يومياً لستة أيام في الأسبوع. 

لقد كان سالك فيما سلف من حياته، كثير الممارسة للعب التنس أو الجولف. أما الآن فإنه لا ينعم إلا بأوقات فراغ قصيرة يُؤثر قضاءها مع عائلته. فلقد تزوج عام 1939 من امرأة سمراء رشيقة القوام في مقتبل العمر تدعى دونا لندسي، سبق لها أن خدمت في الحقل الاجتماعي. وكانا قد رزقا بثلاثة أطفال: بيتر وداويل وجوناثان.

وما أن حل خريف العام 1952 حتى كان لقاح جوناس سالك المضاد لشلل الأطفال جاهزاً. وكان قد أثبت على أنه مأمون الاستعمال وفعال. إلا أنه كان قد استخدم على القردة فقط. وحان الوقت آنذاك لتجربته على الأحداث. في أول الأمر قام الدكتور سالك بحقن أولاد سبق أن أصيبوا بشلل الأطفال ما جعل دمهم يحوي أجساماً مضادة. وحين تبين لديه أن لقاحه يسبب توالد أجسام مضادة إضافية عند هؤلاء الأولاد، وهي العملية المعروفة باسم «التأثير المنشط»، ولا يسبب أية أضرار، أصبح على استعداد لتطعيم أولاد لم يصابوا بالمرض أبداً. وكان أولاده الثلاثة أول من لقح بلقاحات التجربة. لقد لاحظ «التأثير المنشط» نفسه في نطاق أضيق من الأولاد الذين كان دمهم خالياً من أجسام مضادة قبل إعطائهم اللقاح، وحين كانوا يعطون اللقاح الأخير، بعد مضي حوالي سبعة أشهر على سلسلة اللقاحات الأولى، كانت أجسامهم تتجاوب بتوليدها أجساماً مضادة تزيد عن السابق زيادة كبيرة. فبدا الأمر وكأن الجسد، بعد تعرضه بضع مرات للمرض، قد تدرب على كيفية رد الهجوم.

وكلما كان عدد الأولاد الملقحين بلقاح سالك يزداد، تكدست الشواهد على أنه مأمون الاستعمال وعلى أنه يولد أجساماً مضادة. ولكن هل كانت تتوالد كميات كافية من تلك الأجسام؟ هل يكون الطفل الذي لقح مزوداً بالوقاية اللازمة إذا ما هاجمته فيروسات؟ وكان ثمة طريقة سهلة للتبين من ذلك: إعطاء اللقاح لمجموعة من الأولاد ومن ثم نقل عدوى مقصودة إليهم للتبين ما إذا كان في استطاعتهم التغلب عليها أم لا. غير أن المخاطرة بأرواح الأولاد على هذا المنوال كانت أمراً محالاً.

وأما الطريق الآخر فكان إجراء تجربة على نطاق بشري واسع، أو كما عرف المشروع، إقامة حقل تجريبي حيث يعطى اللقاح لآلاف من الأولاد في حين يمسك عن آلاف أخرى معروفة بالفئات الضابطة، ومن ثم تراقب الفئتان في أثناء موسم تفشي الوباء كي تُعرف أعداد المصابين من كل فئة.

وكان الرجل المشرف على إجراء التجربة الواسعة النطاق صديق جوناس سالك وأستاذه السابق، توماس فرانسيس الابن. وكان هو الذي أشرف على تجربة حقن فريق من الأولاد باللقاح، وحقن الفريق الآخر الذي يشكل العامل الضابط بالبلاسيبو.

نتائج التجارب

وأعلن الدكتور فرانسيس نتائج التجربة الحقلية على جمهرة من العلماء وموظفي الصحة والمراسلين الصحفيين. وفي الفرحة الطاغية التي عمت أثر إذاعة الخبر بأن طُعم سالك مأمون الاستعمال وأن فعاليته ضد الجنس II والجنس III تبلغ من 90 إلى 100 بالمئة، أغفل الناس إلى حد ما إحصاء آخر. فإن فعالية الطعم ضد أكثر نوع من أنواع المرض فتكاً وهو الجنس I، كانت لا تبلغ سوى 65 مئوية.

وأجيز طعم سالك للاستعمال العام في الحال، وشرعت مختبرات ست شركات عقاقير كبرى تنتجه بكميات كبيرة في محاولة منها لتلبية الطلب الهائل على اللقاح. ولكن بعد مضي أسبوعين فقط على عرض اللقاح في الأسواق، تسلمت مصلحة الصحة العامة في الولايات المتحدة أنباء مقلقة، إذ أصيب أحد عشر ولداً ممن لقحوا بالشلل، كما تلت ذلك إصابات أخرى، وقد اكتشف لدى فحص كل إصابة أن المصاب قد لقح بلقاح من إنتاج شركة عقاقير واحدة، هي شركة مختبرات كاتر.

وكان الدكتور سالك، الذي هاله وقع النبأ، أحد الخبراء الذين دعتهم الحكومة لاستقصاء ما قد ارتكب من خطأ، وما يمكن فعله لمعالجة ذلك الخطأ. وأصدرت أوامر بتوقيف جميع الإنتاج والامتناع عن تناوله ريثما يتقدم الخبراء بتقريرهم.

وتبين الخبراء أن في لقاح “مختبرات كاتر” فيروسات حية. فما السبب الذي مكن بعض دقائق الفيروس من النجاة بحياتها في محلول الفورمالدهايد؟ وأما الجواب على ذلك فقد كان في قدرة الفيروسات على تشكيل رواسب تكمن في داخلها دقائق فيروسية محمية من التعرض للفورمالدهايد، فتبقى في الطعام حية فتاكة. فما هو السبب الذي حال من دون ظهور الفيروسات الحية في الطعام؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتضمن بعض الأحداث التاريخية. 

كانت شركات العقاقير قد باشرت بإنتاج اللقاح في أثناء إجراء التجارب الحقلية، إذ أن مختبر الدكتور سالك كان يعجز عن تزويد الكميات الكبيرة اللازمة. وقد ظلت كل دفعة من اللقاح المنتج تجارياً تفحص لبعض الوقت ثلاث مرات من باب الاحتياط: فيجري الفحص من قبل الشركة المنتجة لها أولاً، ثم من قبل الحكومة ثانياً، ومن قبل مختبر الدكتور سالك ثالثاً، وبعد ذلك قررت الحكومة أن شركات العقاقير قد أصبحت ملمة بصناعة لقاح مأمون وأنه لا بأس من اختصار الوقت إلى حدٍ ما، على حد قول الرئيس أيزنهاور، وعليه توقفت الحكومة عن إخضاع اللقاح لفحوص ثلاثة، وغدت الشركات تجري عليه فحوصها الخاصة، فيما عدا بعض التفتيشات المحلية، وإذ بنبأ حادث كاتر يذاع. 

ولكن الشركات، كما تبين، لم تكن قد أتقنت صناعة لقاح مأمون كلياً بعد. فمثلاً، كانت تصفية اللقاح لإزالة الرواسب المحتوية على الفيروس، قبيل «طَبخِه» في الفورمالدهايد أمراً في غاية الأهمية. إلا أن بعض الشركات (ولم تكن مختبرات كاتر الوحيدة التي ارتكبت هذا الخطأ) كانت تسمح بمرور وقت أكثر مما يجب بين عمليتي التصفية والطبخ. وفي تلك الأثناء كانت تتكون رواسب أخرى. ولهذا السبب وضع الدكتور سالك وخبراء الشلل الآخرون قواعد مفصلة لصناعة اللقاح. ومن جملة ما نصت عليه تلك القواعد تصفية الطعام قبيل الغمر في الفورمالدهايد وأثناءه. كما أنهم وضعوا سلسلة من القواعد الصارمة لضمان السلامة. وعادت مصلحة الصحة العامة إلى إخضاع اللقاح إلى فحصين. فلم تتكرر حادثة كاتر – كما لم يعد ثمة أي احتمال لتكرارها.

ومنذ أن وضعت أساليب الإنتاج المحسنة والفحوص قيد التنفيذ، لم يعد ثمة شك في سلامة استخدام لقاح سالك. ولكن ثمة خبراء كثيرين يركن إلى رأيهم يعتقدون بأن مفعوله أضعف وأقصر أمداً من لقاحات أخرى مضادة جرى تطويرها بعد لقاح الدكتور سالك. وهذه اللقاحات مصنوعة من فيروسات حية لشلل الأطفال. إلا أنها مع كونها حية، خالية من الخطر، إذ إنها ربيت في المختبرات بحيث تسبب إصابة خفيفة للغاية تكاد تكون غير ملحوظة. وفي آب (أغسطس)، عام 1960، وافقت الحكومة على استخدام فيروس سابين (Sabin) الحي في الولايات المتحدة.

الشُّهرة

 وقد بات جوناس سالك ذائع الصيت بوصفه العالم الذي قام بتطوير أول لقاح فعال مضاد خال من الخطر، فانتشرت صوره الفوتوغرافية في الصحف والمجلات وشاهدها ملايين من الناس، وأضحى وجهه المستطيل وعيناه السوداوان الجديتان الباديتان خلف نظارة ذات إطار منعدم اللون مشهداً مألوفاً لديهم. كما اعترفت بفضله جمعيات عديدة ومعاهد تربوية، ومنحته الحكومة الولايات المتحدة وسام الكونجرس الذهبي. وأشاد بذكره رئيس الجمهورية. إلا أن الدكتور سالك لم يجن أي مال من بيع لقاحه. وقد سئل مرة عمن يملك حق الامتياز على اللقاح، فأجاب قائلاً: الشعب.. وهل يمكن فرض حق امتياز على الشعب؟

ولعل أحد الأسباب المؤدية إلى انتشار سمعة جوناس سالك يرجع إلى أنه كثيراً ما كان يترك مختبره لشرح لقاحه للجماهير. فكان يخالجه شعور بالمسؤولية لما قام به من عمل، وكان يرغب في القيام بنفسه باطلاع الجمهور بما يستطيع اللقاح فعله وما لا يستطيع. ولذا كان يدلي بأحاديث للصحافة، كما كان يظهر أمام الجماهير ويلقي الخطابات، ويوجه بعضاً منها بواسطة التلفزيون والراديو. وكان جوناس سالك يقوم بهذه الأعمال بدافع شعوره بالمسؤولية تجاه المجتمع، لا طلباً للشهرة، غير إنها مع ذلك قد أكسبته الشهرة، والشهرة لسوء حظه لم تكن لتبعث في نفسه أيَّما اغتباط. فقد كان يعلم أن اللقاح كان نتيجة مساهمة علماء آخرين أيضاً، وكان يشعر بالحرج إزاء كل هذا الإطراء والتقدير.

أضف إلى ذلك أن شهرته لم تقتصر على إحراجه فحسب بل كانت مصدر مضايقة وإزعاج. فقد حل الوقت الذي لم تعد فيه أية ضرورة لشرح اللقاح للجمهور، ومع ذلك استمر ضغط الطلب على وقته واهتمامه – من قبل الصحافة والمريدين ومختلف الناس الذين كانوا يبتغون الإفادة عن طريق استخدامهم لاسمه. وحتى مقابلة هذه الطلبات بالرفض المهذب كان يستلزم وقتاً – وقتاً اضطر لقضائه بعيداً عن الأبحاث التي يروم للقيام بها. 

وفي عام 1958 أُعطي الدكتور سالك منحة مالية من مَسيرَة السنتات، فشرع يعمل على استخراج لقاح يكسب مناعة ضد جميع أمراض الجهاز العصبي المركزي التي تسببها الفيروسات. ومن جملة الأبحاث التي قام بها دراسات للخلايا العادية منها والخبيثة، ألقت بعض النور على قضايا السرطان. 

وسواء قدر لأبحاثه أن تتوج بالنجاح مرة أخرى في نظر الجماهير أم لا، فإن ذلك أمر لا يعني الدكتور سالك. وقد سأله أحدهم مرة، بعد أن غدا نجاح لقاحه أمراً محققاً، إن كان يخالجه قط شعور شبيه بشعور الكاتب الذي يسائل نفسه لدى انتهائه من كتابة أول رواية موفقة ما إذا كان بوسعه القيام بالعمل نفسه مرة ثانية. فأجاب الدكتور سالك قائلاً: «لا رغبة لدي في الانتقال من قمة إلى أخرى، وليس العالم ككتابة الروايات. وبالنسبة للعالِم، لا تشكل الشهرة غاية في حد ذاتها، بل هي ليست وسيلة لبلوغ هدف ما.

المراجع

اترك تعليقاً