الصراعُ القوميُّ في جزيرةِ كريت في القرنِ التاسعَ عشرَ

حكايات وعِبر لا توجد تعليقات

أحداثُ مدينة قندية وَالهجرةُ إلى سوريا وَلبنانُ وَشمالَ أفريقيا

بِقلمِ: د. ملكة قايام، بِتصرفٍ منْ فريقِ التحريرِ

توطئةُ

يَتركزُ موضوعُ هذا البحثِ على الهجرةِ من جزيرةِ كريت إلى شمالِ إفريقيا وَالشرقِ الأوسطِ معَ نهايةِ القرنِ التاسعَ عشرَ. إنَّ موجةَ الهجرةِ التي بدأَت في نفسِ التاريخِ منْ كريت قدْ انتهَت عمليّاً في الأناضولِ. إلا أنَّ مشاكلَ الإسكانِ التي اعترضَت الدولةَ العثمانيةَ حالَت دونَ توطينِ الجميعِ في الأناضولِ وَكانَت السببَ الرئيسَ وراءَ البحثِ عن مأوىً آخرَ لِلمُهاجرين خارج أَراضيهِ. ضِمن هٰذا السِياق، فَقَد وَقع اِختيار الدَولة العُثمانية عَلى أَراض تابعة لَها فِي الشَرق الأَوسط وَشَمال أَفريقيا. وَفِي حِين بَرز اِهتمام عَدد كَبير مِن الباحثين لِلقيام بدِراساتٍ وأَبْحاث متَعددة حوْل الهجْرة منْ كرِيت إلَى الأناضول، فإِنَّ المهاجرينَ المسْلمينَ الَّذين تمَّ إسْكانهم ضمْن أراضي الدوْلة العثْمانية ولٰكِن خارج الأناضول لمْ يحْظَوا بنَفْس الاهْتمام، وبَقِيت الدراساتُ المتَعلقة بهِم قلِيلة جدّا وَمَحْدودة وضِمْن نطاق ضيِّق. إنَّ ما دفَعنا للاِهتِمام بمثْلِ هذا البَحثِ هو ضَرورة الإِضاءة على النُقطَة الضائِعة بحرَكَة الهِجرَة هذهِ، ومنْ ثَم اِستِكمال الصُورَة الكامِلة لهجْرَة المُسلِمين مِن جَزيرة كريت.

إن التَطوُّرات السِياسية التِي كانَت وراء هجرَة المُسلِمين هِي بالِغة الأَهمِّية. فبعْدَ إيجاز الأَحداث التِي دامَت في كريت لفتْرَة مئةِ عامٍ تقرِيبا، حاوَلنا التَوقُّف بتفْصِيل حولَ عملِية الهِجرَة والتَركِيز عليْها. وَقدْ ساعَدنا ذٰلكَ وفرَة الوَثائق وتناولنا لِلقَضِيةِ بالكَثِيرِ من التفْصيل والدِقَّة. لقدْ تناولْنا في هذهِ المقالةِ قضيةَ تهجيرِ المسلمِينَ منْ كريت بِشيءٍ من الاقتضابِ وَالاختصارِ، وَذلكَ لِتسليطِ الضوءِ أكثرَ على عمليةِ إسكانِ المهاجرِينَ وَتفنيدِ ما رافقَ ذلكَ من مشاكلَ وَتعقيداتٍ.

القرنُ التاسعَ عشرَ وَالمشكلةُ الكريتيةُ

في القرنِ التاسعَ عشرَ وَمطلعِ القرنِ العشرِينَ، ظهرَت الحركاتُ القوميةُ في الدولةِ العثمانيةِ بينَ النصارى أولاً، ثمَّ تلَتْها حركاتٌ مماثلةٌ بينَ المسلمِينَ، كما بدأَت تَتشكلُ الهويةُ الدينيةُ وَالاجتماعيةُ وَالعرقيةُ بعدَ نظامِ الأمةِ الذي كانَ سارياً في الإمبراطوريةِ
العثمانيةُ. لقدْ استفادَ غيرُ المسلمِينَ منْ ذوي التبعيةِ العثمانيةِ منْ نظامِ الأمةِ بِشكلٍ فعالٍ، فحفاظوا على ميراثِهمْ الاجتماعيِّ وَالدينيِّ وَاللغويِّ الذي لمْ يَعملْ العثمانيِّينَ على طمسِهِ أَبداً فَنجحُوا لاحقاً في خلقِ هويةٍ جماعيةٍ لهمْ. إنَّ نظامَ الأمةِ كانَ يُشكلُ الإطارِ
الاجتماعيُّ وَالاقتصاديُّ الذي يَجتمعُ فيهِ كلُّ العثمانيِّينَ بِغضِّ النظرِ عن تنوعِهم الدينيِّ وَاللغويِّ وَالعرقيِّ.
إنَّ ظهورَ القوميّاتِ في القرنِ التاسعَ عشرَ قدْ هزَّ كلَّ الدنيا وَخصوصاً تلكَ الإمبراطوريّاتِ التي تَحتوي على جنسيّاتٍ وأعراقٍ مختلفةٍ وَمتنوعةٍ. وَكانَ ذلكَ تحضيراً لِسقوطِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ بِمكوناتِها المتعددةِ. إنَّ طبيعةَ المنطقةِ الجغرافيةِ التي كانَت تَحكمُها الدولةُ العثمانيةُ وَطبيعةُ التركيبةِ السكانيةِ فيها بِالإضافةِ إلى طبيعةِ النظامِ الملليِّ المبنيِّ على القاعدةِ الاجتماعيةِ لِلدَولة قَد أَصبح غَير مُؤات لِاِستمراريتها وَتَحول إِلى عِبء كَبير فَوق كاهلها رَزحت تَحتهُ بُرهة مِن الزَمن.

لقدْ كانَ لِإعلانِ استقلالِ اليونانِ عن الدولةِ العثمانيةِ في القرنِ التاسعَ عشرَ أثرٌ كبيرٌ وَنتائجُ كثيرةٌ. فَقدْ كانَت نشأةُ الدولةِ اليونانيةِ من ضمنِ مشروعٍ كبيرٍ وَجديدٍ لِلمِنطقة الجُغرافية الخاضعة تَحت السَيطرة وَالحُكم العُثماني بِرُمتِها. كَما كانت الدُول الأوروبية تَتَنافس فِيما بَينها لِلحصُول علَى امْتيازاتٍ ومَناطق نفُوذ في بقْعة جغْرافية هيَ تحْت الحكْم العثْماني مباشرة خصُوصا فِي البلْقان وحَوْض البحْر الأبْيض المتَوسط.

لقدْ كانَت النتيجةُ المشتركةُ لِلمَصالح المُختلفة لِلدوَل الأوروبية تصُبُّ نحْو تسْريع عمَلية انْفصال اليونان عن بنْية الدوْلة العثْمانية واِكْتسابها صفَة الدوْلة المسْتقلة. لقَد اسْتَعرض عدَد كبِير من الدوَل الكبْرى وعَلَى رأْسها برِيطانيا السياساتِ الَّتي وضِعت فِي مؤْتمر فيينا عام 1815 وأَعادوا النظَر فيها. بناء علَى ذلِك، فقَدْ تبَوأت بَرِيطانيا ورُوسيا تحْديدا مَرْكز المدافع الأوَّل والداعم لليُونان في حَركَتها الاِستِقلالية عن الدَولَة العُثمانية. كانَ من البَديهي والواضِح في تِلكَ الفَترَة أن اليُونان تحتَلُّ موقِعا رئِيسا ومُتَصَدرا في العَلاقات وَالمَصالح الدَولِية لهاتَين الدَولَتينِ.

بعدَ حربِ 1828-1829 تمَّ انتزاعُ استقلالِ اليونانِ من العثمانيِّينَ بِموجبِ معاهدةِ أدريانوبل (أدرِنَة)، وَلكنَّ حدودَ الدولةِ الجديدةِ تمَّ رسمُها بعدَ معاهدةِ لندن عامَ 1830. إلا أنَّ كثيراً من المناطقِ التي كانَ يَسكنُها الرومُ وَكَذلكَ جزيرةُ كريت بقيَت خارجَ حدودِ الدولةِ اليونانيةِ الحديثةِ. لقدْ أصبحَت جزيرةُ كريت بعدَ هذا التاريخِ مشكلةً مهمةً وَمسألةً معقدةً بِالنسبةِ لِلدَولة العُثمانية. فَقَد تَولت الدَولة اليُونانية المُستقلة عَلى عاتقها دَعم حَركات التَمرد التي يَقُودها الرُوم فِي الجَزيرة بِهَدف الاِنفصال الكُلي عَن حُكم العُثمانيين تَماشياً مَع مَبدأ الأُمة الهيلانية وَالفِكرة الكُبرى أَو العَظيمة التي كانت تَضَع جَزيرة كريت داخل حُدود الدَولة اليُونانية المُستقلة.

منذُ هذا التاريخِ وَلِغايةِ انضمامِ كريتٍ إلى اليونانِ، عاشَت الجزيرةُ فترةً منْ القلاقلِ وَالاضطراباتِ المستمرةِ على شكلِ نزاعٍ دائمٍ بينَ الأهالي الذينَ كانُوا يَعيشُونَ في الجزيرةِ معاً لِفترةٍ طويلةٍ. وَاستطاعَ السكانُ المسيحيُّونَ أنْ يُثيرُوا القلاقلَ وَيُشعلُوا الثوراتِ بِشكلٍ متقطعٍ دامَ حتى انضمامِ الجزيرةِ إلى اليونانِ. على الجانبِ الآخرِ فَقدْ عمدَت الدولةُ العثمانيةُ إلى تقديمِ الامتيازاتِ المتلاحقةِ لِلجَزيرة وَسُكانها المَسيحيين فِي مُحاولة لِتَأخير فُقدان حُكمهِم لَها فَترة مِن الزَمن.

وَمعَ حلولِ نهايةِ القرنِ التاسعَ عشرَ، استطاعَ مانوسوس كوندوروس أنْ يُؤسسَ جمعيةَ الانقلابِ المسماةِ (أبيتروبي) في الجزيرةِ، وَحاولَ في صيفِ العامِ 1895 أنْ يَستغلَّ انشغالَ الدولةِ العثمانيةِ بِالمسألةِ الأرمنيةِ لِيَبدأَ عصياناً منظماً واسعَ النطاقِ مدعوماً من اليونانِ يَهدفُ إلى انفصالِ كريت عن الحكمِ العثمانيِّ وَالتحاقِها بِالدولةِ اليونانيةِ.

وَمعَ اتساعِ رقعةِ الثوراتِ وَتَعاقبِها،‏ نجحَت اليونانُ ‏ في إخراجِ ما يَجري في كريت على أنْ لا يَبقى مسألةٌ داخليةً تَخصُّ الدولةَ العثمانيةَ وحدَها، بلْ على أنَّ المسألةَ الكريتيةَ هيَ شأنٌ يَخصُّ المجتمعَ الدوليَّ بِرمَّتِهِ، الأمرُ الذي ساندَ الانفصاليِّينَ وَدعمَ حركتِهمْ بِقوةٍ، كما اِستدعى التدخلَ الأجنبيَّ الأوروبيَّ مباشرةً بِالمسألةِ الكريتيةِ بِاعتبارِها أصبحَتْ مشكلةً عالميةً.

صحيحٌ أنَّ الثوراتِ وَالقلاقلَ في كريت قدْ استمرَّت زهاءَ قرنٍ كاملٍ من حكمِ العثمانيِّينَ لِلجَزيرة، إِلا أَن الفَترة المُمتدة بَين عامي 1896-1897‏ كانت تُعْتبر الفَترة الأَقسى وَالأَكثر صُعوبة بِالنِسبة لِلدبلوماسية العثْمانية. في نفْس الحقْبة، انْدلعت الحرْب العثْمانية اليونانية عام 1897 وكانت فِي الأساس بسَبَب المشْكلة في كريت، واِنْتهت بِإِعْطاء الجزِيرة نوْعا مِن الاسْتقلالية وحَقِّ تقْرير المصِير علَى شكْل حكْم ذاتي فكان ذلِك تحْضيرا مُهِما لِلاِنفِصال التامِّ عن حُكمِ العُثمانيين فِي الفَترَة اللاحِقة. في الحَقيقية، يمكِنُ القَولُ أن أَحداث ما بَعدَ العامِ 1896 هي بِداية مراحل الاِنفِصال الفِعلِي لجزِيرة كريت عن حُكمِ الدَولَة العُثمانية.

أحداث عام ‎1896 وبداية الهجرة

أُجبرَت العساكرُ العثمانيةُ على مغادرةِ جزيرةِ كريت وَأَعقبَ ذلكَ دخولَ قوّاتِ الدولِ الكبرى إليْها بعدَ أحداثِ السادسِ وَالسابعِ من أيلولَ عامَ 1898. كانَ منْ الطبيعيِّ أنْ يَشعرَ الأهالي المسلمُونَ بِفقدانِ الأمانِ وَالتهديدِ الوجوديِّ، فَكانَ ذلكَ بدايةَ هجرةِ المسلمِينَ منْ جزيرةِ كريت إلى الأناضولِ العثمانيِّ.

إنَّ حصولَ كريت على حكمٍ ذاتيٍّ متمثلٍ في إدارةٍ مستقلةٍ عن مركزيةِ البابِ العالي تزامنَت معَ بدايةِ أكبرِ موجاتِ الهجرةِ لِلسُكان المُسلمين إِلى الأَناضول. لَقد اِنتهت القَلاقل التي بَدأت عام 1896 وَتَلتْها أَحداث عُنف مُتسارعة سَببتْ قِلة الأَمن وَالطُمأنينة في
البِلاد، لِتَسْتكمل فِي وَقت لاحق بِما عُرف بِأَحداث قُندية (كاندية) عام 1898 بِهِجرة 21000‏ مُسلم وَخُروجهِم نِهائياً مِن جَزيرة كريت. لَقد هاجر المُسلمون الكريتيون إِلى إِزمير بشكل رئيسي وَإِلى أَراض أُخرى كانت تَقَع تَحت الحُكم المُباشر لِلدوْلة العثْمانية.

رسم بالرصاص لمدينة قندية (كانديا أو هراقليون) في عام 1837، المصدر وسائل التواصل الاجتماعي

بِالنسبةِ لِلباحث وَالمُؤرخ التُركي الشَهير كَمال كارباط، لا بُد مِن فَهْم عَميق لِلأسْباب الأساسية الَّتي كانت وَراء أحْداث الهجْرة من أجْل إدْراك نشْأة الدوْلة العثْمانية وكَيْفية انْهيارها. فبَعِيدا عَن الأحْداث البارزة من حرُوب ومَشاكل اقْتصادية وسِياسية عانت مِنها الدوْلة العثْمانية في أواخر حكْمها، لا بدَّ من النظَر إلَى حرَكة هجْرة نشِطة من بلاد البلْقان والقفْقاس والجزُر المخْتلفة وما اقْتَرن ذلِك من مشاكل كبِيرة واجهت الدوْلة العثْمانية لإِسْكان المهاجرينَ وإِيجاد الحلُول لمَشاكل انْتقالهم من بلَدهمْ إلَى بقَع جغْرافية مخْتلفة.

لقدْ شهدَت الأعوامُ الأخيرةُ لِلقَرن التاسع عَشر هِجرة أَعداد كَبيرة مِن جَزيرة كريت تَزامناً مَع أَحداث وَنِزاعات واجت الدَولة العُثمانية فِي أَماكن أُخرى وَاِنتهت أَيضاً بِخُروج أَعداد ضَخمة مِن تِلك البِلاد إِلى أَحضان الدَولة الأُم. إِن سِلسلة الأَحداث السِياسية التي سَبقت عَملية الهِجرة وَالرَحيل مِن الأَوطان إِضافة إِلى نَوعية العَلاقات وَالمُمارسات الدبلوماسية بَين الدُول فِي تِلك الفَترة وَبِالرَغم مِن أَنها لَيست مَوضوع هٰذه الدِراسة إِلا أَنهُ لا بُد مِن الإِشارة إِليها لِإِدراك ما حَدث بِتِلك الحِقبة مِن التاريخ.

المهاجرون الكريتيون في الشرق الأوسط

أمام طبيعة الأحداث في جزيرة كريت ونوعية الصدام الحاصل بين الناس في تلك الفترة من الزمن، كانت الدولة العثمانية مضطرة الى اتخاذ سلسلة من التدابير اللازمة لاحتواء الأزمة والتعاطي مع نتائجها. لقد كان ما يزيد عن 21000 مسلم على وشك الخروج من كريت، وكان لا بد من إحصاء أعداد المهاجرين وتحديد وجهتهم إلى بقية الأراضي العثمانية، وتشكيل لجان تهتم بعملية النزوح وكذلك الإسكان في المناطق التي سيصل إليها المهاجرون.

مكان الإسكانأعداد المهاجرين
أضنة3000
قونية3000
أنقرة4000
سوريا1000
بيروت1000
بنغازي5000
حلب2000
قره حصار1000
ولاية آيدين1795
المجموع21795
الأرشيف العثماني الوثيقة رقم 1/505 في أيار 1315 هجري تقويم رومي الموافق فيه 3 حزيران 1899

بِموجبِ الوثيقةِ المرسلةِ من قبلِ وزارَتي الداخليةِ وَالماليةِ إلى لجنةِ إسكانِ المهاجرِينَ وَبِحسبِ الأعدادِ وَالأماكنِ المبينةِ في الجدولِ أعلاهُ سَيَتمُّ إسكانُ المهاجرِينَ في ولاياتِ الدولةِ العثمانيةِ في الأناضولِ وَشمالِ أفريقيا وَالشرقِ الأوسطِ بما يَتناسبُ معَ المناخِ وَطبيعةِ الأرضِ التي جاؤُوا منها. وَقدْ حذرَت سلطاتُنا جميعَ الولاةِ وَالموظفِينَ المسؤولِينَ لِضرورةِ تعاطيهم بِدقةٍ بالغةٍ معَ الموضوعِ وَاجتنابِ حصولِ أيِّ حوادثَ لِحينِ استكمالِ عمليةِ الانتقالِ بِدونِ مشاكلَ. وَمن أجلِ وصفِ عمليةِ الهجرةِ وَالانتقالِ إلى الولاياتِ المختلفةِ وَإفهامِها لِلناس بِاللُغة المُناسبة وَتَأكيد حُصولها بِوَسائل مُريحة، تَم تَكليف رَئيس دائرة المُستلزمات فِي ‏ وِزارة الدِفاع اللِواء حَيدر باشا بِالذَهاب إِلى إِزمير بَعد أَن مَنح زِيادة عَلى مُرتبه وَزُود بِالبَدلات وَالمُخصصات اللازمة لِهٰذه المُهمة. وَمِن أَجل تَأمين عَملية الإِسكان وَحاجات المُهاجرين تَم اِتخاذ قَرار إِنشاء لِجان إِسكان المُهاجرين فِي كُل وِلاية سَيَحْلو فِيها لِتَحديد ما يَلْزمهُم وَتَأمين كُل اِحتياجاتهِم بِحَسب التَقارير التي يَرْفعها أَعضاء هٰذه اللِجان المُختلفة. وَقَد تَم صَرف مَبلغ 100 أَلف لِيرة عُثمانية كَدَفعةٍ أُولى مِن الخَزينة لِتَأمين مَصاريف النَقل وَالإِسكان وَتَوزيع الإِعاشات وَالمُساعدات الغِذائية لِلمهاجرينَ. كما أرْسل الباب العالي رسائل متَعددة إلَى الموَظفينَ الموَكلينَ بعَمَلية الإسْكان لإِتْمام إنْشاء بيُوت المهاجرينَ قبْل حلُول فصْل الشتاء وتَأْمين احْتياجاتِهم من الحبُوب والمواشي باِهْتمام بالغ جدّا وَمِن دون تقْصير أوْ تلَكؤ.

صحيحٌ أنَّ الدولةَ العثمانيةَ قدْ بذلَت قصارى جهدِها ‏ في سبيلِ تأمينِ هجرةٍ كريمةٍ وَمريحةٍ لِلنازحين إِلا أَن الأُمور لَم تَسِر وِفقاً لِما أَرادوهُ تَماماً فِي مَراحل التَطبيق وَهُو ما يُمْكن مَعرفتُهُ مِن وَثائق الأَرشيف العُثماني نَفسها التي وَثقت تَفاصيل عَملية الهِجرة وَالإِسكان وَما رافقهُما. إِن عَملية نَقل القِسم الأَكبر مِن المُهاجرين إِلى مَدينة إِزمير وَما تَلِي ذٰلك مِن اِنتظار وَمُكوث مُؤقت هُناك قُبيل اِستكمال عَملية اِنتقالهِم إِلى أَماكن أُخرى كان سَبباً فِي إِحداث الكَثير مِن المَشاكل بِالنِسبة لِوُلاة الأَمر فِي المَدينة كَما كانت سَبباً لِحُصول اِضطرابات كَثيرة بَين المُهاجرين وَسُكان المَدينة. لَقد كان قُدوم أَعداد كَبيرة مِن المُهاجرين إِلى أَزمير سَبباً فِي حُصول أَزمة إِسكان مُهمة فِي المَدينة آنذاك. فَمِن ضِمن 20000‏ مُهاجر قَدموا إِلى إِزمير، قَررت السُلطات العُثمانية إِسكان خَمسة آلاف مُهاجر مِن أَصحاب الحَرف وَالمهَن فِي مَدينة إِزمير، بَينما قَررت تَوزيع خَمسة عَشر أَلف مُهاجر إِلى مَناطق وَنَواحي تابعة لِلمدِينة وعَلَى ضواحيها، وذٰلِك بعْد إنْشاء المناطق السكَنية القادرة علَى اسْتيعابهم بصُورة كاملة هناك. لقَد تمَّ فعْلا إِسْكان عدَد كبِير من المهاجرينَ في إزْمير وضَواحيها، إلّا أنَّ كثْرة أعْداد المهاجرينَ وعَدَم قدْرة المنْطقة علَى اسْتيعابهم بشَكْل كامل دفَع بالسلُطاتِ العثْمانية إلَى اتِّخاذ قرار إسْكانهم في مناطق أخْرى تابعة لها في شمال إفْريقيا والشرْق الأوْسط. لقَد تمَّ نقْل قسْم كبِير من المهاجرينَ الَّذين كانوا ينْتَظرونَ في إزْمير إلَى ولاية طرابلس الغرْب شمال أفْريقيا (العاصمة الليبية حاليا) بَعْد أنْ تعَذر إسْكانهمْ في المدِينة وضَواحيها. لقدْ دخلَ شمالَ أفريقيا في حكمِ العثمانيِّينَ منذُ القرنِ السادسَ عشرَ وَبقيَ كَذلكَ حتى العامِ 1912. لقدْ كانَ قربُ المنطقةِ منْ كريت وَتَشابهِ طبيعَتِها الجغرافيةِ معَ الجزيرةِ إضافةً إلى رحابةِ المكانِ وَقدرَتِهِ على استيعابِ أعدادٍ كبيرةٍ من المهاجرِينَ سبباً مهما دفعَ السلطاتِ العثمانيةَ إلى اتخاذِ قرارِ إرسالِ عددٍ كبيرٍ منهم إلى هناكَ.

بناءً على ما تقدمَ، فَقدْ تمَّ إرسالُ عددٍ كبيرٍ من المهاجرِينَ إلى شمالِ أفريقيا خصوصاً إلى بنغازيٍّ وَدرْنَةٍ، وَتمَّ إسكانُ القسمِ الأكبرِ منهم في بنغازي وَتوزيعِ الباقي على المناطقِ المجاورةِ. وَمن الواضحِ في الوثائقِ العثمانيةِ أنَّ هناكَ العديدَ من التقاريرِ التي كانَت تَصفُ المنطقةَ الممتدةَ بينَ بنغازيٍّ وَدرْنَةٍ على اعتبارِها مناطقَ رحبَةً وَمواتيةً لِاستقبالِ المهاجرِينَ من جزيرةِ كريت. كما أنَّ وجودَ أشجارِ الزيتونِ بِوفرَةٍ في هذهِ المناطقِ دفعَ السلطاتِ إلى اعتبارِها مناطقَ مقبولةً وَجاذبةً لِلمُهاجرين الذين اِعتادوا الاِنشغال بِالزَيتون وَصِناعاتهِ فِي كريت.

وَمَع أَن شَمال أَفريقيا كانت بِنَظر السُلطات العُثمانية مِنطقة مُناسبة تَماماً لِإِسكان المُهاجرين إِلا أَن نَفس التَقييم لَم يَكُن كَذٰلك مِن قِبل السُكان الجُدد. لقدْ كانَ وراءَ هذا الشاطئِ البحريِّ صحراءُ كبرى وَعشائرُ تَختلفُ جذريّاً بِتقاليدِها وَعاداتِها وَموروثاتِها الثقافيةِ وَالاجتماعيةِ عنْ المهاجرِينَ منْ جزيرةِ كريت، فَكانَ ذلكَ سببٌ مهمٌّ في حصولِ الكثيرِ منْ النزاعاتِ وَالمشاكلِ بينَ الطائفَتينِ الغريبَتينِ.

لقدْ كانَ من أصعبِ ما واجهَهُ المهاجرُونَ إلى شمالِ أفريقيا هوَ نقصُ الغذاءِ وَعدمُ تَوفرِ المأوى المناسبِ لِلعَيش وَالسَكن. وَمَع أَن الدَولة العُثمانية حاولت تَأمين كُل مَصاريف الإِسكان وَالإِعاشة، إِلا أَن تَقصيراً وَنَقصاً فِي إِنجاز ذٰلك بَدا واضحاً لِدَرجة أَن الدَولة اِعتمدت إِرسال المُساعدات العَينية تارة وَالنَقدية تارة أُخرى لِسَد الاِحتياجات وَتَسديد النَفقات وَتَقليص النَقص الحاصل فِي تَوفير ما يَلْزم. وَفِي مُراسلات وَزير البَحرية فِي الدَولة العُثمانية يُظْهر طَلبهُ تَأمين مِئة أَلف كِيس دَقيق لِلمهاجرينَ في بنْغازي عبْر أقْصر الطرُق لإِيصالها إلَيهم بالسرْعة القصْوى، كما يظْهَر عبْر الوثائق أيْضا وُقُوع الخيار علَى باخرة تقِلُّ 300 حاج من بيْروت عبْر ميناء طرابلس الغرْب لتَحْميل الدقِيق المطْلوب.

إضافة إلَى المساعداتِ الغذائية فقَدْ اهْتمت السلُطاتُ العثْمانية بإِيصال مساعداتِ أثاث وغَيْره إِلَى المهاجرينَ في بنْغازي. وهٰكَذا حصَل المهاجرونَ المسْلمونَ هناك علَى 2500‏ ‏حذاء وأَلْف لحاف وبَطّانية و500 ثَوْب قماش أمْريكي، كما تمَّ تأْمين مبْلغ 70‏ ألْف قرْش لتَغْطية تكاليف هذِه المساعداتِ منْ سنْجق بنْغازي وتَمَّ تسْليمها إلَى لجْنة المهاجرينَ المسْلمينَ المعْتمدة في المنْطقة.

إنَّ الأرْشيف العثْماني ملِيء بالوثائق الَّتي تتَحَدث عنْ مساعداتٍ عيْنية ونَقْديةٍ لِلمُهاجرين، وَلكِنَّها أَيضا كانَت تشِيرُ في الوَقتِ عينِه إلَى الكَثير من المَشاكل والمُعاناة التِي يتكَبَّدها المُهاجرون هُناك في سَبيل إتمام عملِية الإِسكان المُخطَّط لها في تِلكَ المِنطَقة. لقدْ تحدثَت هذهِ الوثائقُ عن تأخيراتٍ في الدفعِ من قبلِ الخزينةِ كما تحدثَت عن تأخيرِ التنفيذِ رغمَ المبالغِ وَالنفقاتِ المصروفةِ. مثلاً، تَتحدثُ الوثيقةُ المؤرخةُ ‎في‏ ‏كانونَ ثاني 1909 عن رسالةٍ من وزارةِ الداخليةِ إلى وزارةِ الماليةِ تُطلبُ فيها ضرورةَ الإسراعِ في صرفِ مبلغٍ وَقدرهِ ‎457330‏ قرشاً لِاستكمالِ عمليةِ الإسكانِ في طرابلسَ.

إنَّ مشكلةَ التواصلِ بينَ الحكمِ المركزيِّ وَولاةِ الأمورِ في الولاياتِ هيَ أحدُ الأسبابِ المهمةِ لِمثلِ هذا التقصيرِ، إلا أنَّهُ وَمن دونِ أدْنى شكٍّ فَإنَّ الدولةَ العثمانيةَ كانَت في الوقتِ نفسِهِ تُجابهُ معضلةُ إسكانِ 17‏ ألفَ مهاجرٍ من جزيرةِ كريت في ‏ أماكنَ مختلفةٍ غيرِ أولئكَ الذينَ انتقلُوا إلى شمالِ أفريقيا. لِذلكَ فَقدْ كانَ من الطبيعيِّ أنْ تُقصرَ الحكومةُ العثمانيةُ في تلبيةِ احتياجاتِ جميعِ المهاجرِينَ وَإسكانِهم من دونِ وقوعِ أخطاءٍ أوْ مشاكلَ. لقدْ كانَت الدولةُ تُكافئُ كلَّ الموظفِينَ العاملِينَ في عمليةِ إسكانِ المهاجرِينَ في تلكَ الفترةِ لتحفيزهمْ على إتمامِ أعمالِهمْ على أحسنِ وجهٍ وَصورةٍ. وَمنْ هذا البابِ فَقدْ تمَّ ترقيةُ السنوسي أفندي، قائمٌ مقامَ قضاءِ المرجِ في بنغازيٍّ، بِسببِ حسنِ أدائِهِ وَنجاحِهِ بِتوزيعِ الأراضي بينَ المهاجرِينَ.

على صعيدٍ آخرَ، وَبعيداً عن المساعداتِ النقديةِ وَالعينيةِ التي قدمَتْها الدولةُ العثمانيةُ لِلمُهاجرين المُسلمين مِن جَزيرة كْريت، فَإِن الحُكومة المَركزية اِتخذتْ قَراراً بِإِعفاء أَبناء المُهاجرين مِن الخِدمة العَسكرية لِمُدة سِت سَنوات مِن تاريخ خُروجهِم مِن الجَزيرة. إنَّ اتخاذَ مثلِ هذا القرارِ يُوضحُ تماماً نظرةَ الحكومةِ العثمانيةِ لِقضيةِ التهجيرِ وَإدراكِها التامِّ لِتُحطمِ كثيرٍ من روابطِ العائلاتِ المهاجرةِ وَفقدانِها لِأبنائِها وَأَقاربِها خلالَ عمليةِ الانتقالِ وَالإسكانِ، فَعمدَتْ بِالتالي إلى إعفاءِ هذهِ العائلاتِ من الخدمةِ العسكريةِ لِتركِ منْ بقيَ منْ الرجالِ بِجانبِ أقربائِهم لِيُعيلُوهم وَيُساندُوهم وَيَكونُوا إلى جانبِهم، فَكانَ هذا أيضاً ضرباً من ضروبِ المساعدةِ لِمجتمعِ المهاجرِينَ في بلادِهِ الجديدةِ. وَمن الأمثلةِ الأخرى على تعاطفِ الدولةِ معَ شؤونِ المهاجرِينَ إعفاؤُهمْ منْ الرسومِ المتوجِّبة عَلى وكالات بَيعِ العقارات وَالأملاك الَّتي خَلَّفوها وراءَهم في كريت.

بعِيداً عن شمال أفريقْيا، تظْهرُ الوثائقُ العثمانِيَّة بوضُوح عملِية إسكانِ المهاجرِينَ المسْلمِينَ من كرِيت في أماكن متعدِّدةٍ في الشَرقِ الأوْسَط وَمنها طرابْلسُ الشام. لَقد كانت طرابْلسُ الشام مدينةً من أَهم موانئ شَرقِ البَحرِ الأبْيضِ المتوَسِّط وسنْجُقا تابِعا لولايةِ الشام حَتى العامِ 1579، ثمَّ ما لَبِثت أن تحَوَّلت إِلى ولاية عثمانِية منفصِلَة وقائِمَة بذاتِها بَعد هٰذا التارِيخ. أَما بيرُوت فَقد ألْحَقَت بأراضي الدوْلةِ العثمانِيةِ في القَرنِ السادس عَشر خلال حمْلةِ السلطان سلِيم الأَول إِلى مِصْر وَالشَرقِ، ثم تحَوَّلت إِلى قضِية دولِيةٍ في أواسطِ القَرنِ التاسع عَشر بَعدَ أن أصْبَحت فرنْسا وبريطانْيا دَولتَين أساسيتَيْن تلْعبان دَوْرا محوَرِياً في منطَقةِ المتوَسِّطِ وتتدَخلانِ في مجْريات أمُورِه وجمِيع تفاصِيلِه. واعتباراً من العامِ 1861 تمَّ التوقِيع عَلى بروتوكول خاص أصْبَحَت بموجِبه بيرُوت ولاية عثمانِية مرتبِطَة بِالحكومةِ المركزِيةِ في الآستانَةِ وَتَضمُّ مدنُ اللاذقيةِ وَطرابلسُ وَعكاً وَنابلسَ وَذلكَ حتى عامِ 1918.

كانَت حلبُ منْ المناطقِ الأخرى التي دخلَت تحتَ حكمِ العثمانيِّينَ في القرنِ السادسَ عشرَ بعدَ حملةِ الشرقِ التي قادَها السلطانُ سليمٌ. وَفي النصفِ الثاني منْ القرنِ التاسعَ عشرَ وَبعدَ الترتيباتِ الجديدةِ لِنظامِ الولاياتِ أصبحَتْ حلبُ ولايةٍ عثمانيةٍ انضوَت تحتَها ابتداءً من العامِ 1866 مدنَ أَورفَة، مرعشٌ، كُوزان، أضنهُ، طرسوس وَزورٌ. وَفي العامِ 1869 تمَّ إخراجُ أضنهِ، طرسوسٌ وَكُوزان من حدودِ ولايةِ حلبَ التي بقيَتْ على هذا الحالِ لِغايةِ نهايةِ حكمِ العثمانيِّينَ في المنطقةِ. لقدْ اكتسبَتْ كلٌّ من الشامِ وَحلبَ وَبيروتَ صفةَ ولايةٍ عثمانيةٍ بعدَ ترتيباتِ العامِ 1864‏ وَكانَت ولايةُ الشامِ تُسمى أيضاً ولايةَ سوريا. كانَت ولايةُ الشامِ أوْ سوريا ولايةً عثمانيةً لِغايةِ العامِ 1918 وَهيَ إحدى مناطقِ الشرقِ الأوسطِ التي شهدَتْ إسكانَ المهاجرِينَ المسلمِينَ منْ جزيرةِ كريت.

لقدْ تمَّ نقلُ المهاجرِينَ إلى الشامِ بِواسطةِ بواخرِ السعادةِ. وَيُلاحظُ أنَّ المهاجرِينَ الذينَ قدمُوا إلى إزمير قدْ تمَّ إسكانُهم على طولِ الشريطِ الساحليِّ وَمحطّاتِ خطِّ سكةِ الحديدِ. لِذلكَ نَرى المهاجرِينَ قدْ حلُّوا على طولِ الخطِّ الممتدِّ بينَ مدينةِ أَضنَةٍ وَبيروتَ وَتمَّ إسكانُهم بِشكلٍ كبيرٍ في المناطقِ الممتدةِ بينَ هاتينِ المدينَتينِ. وَقدْ وجدْنا رسالةً من الحكومةِ المركزيةِ إلى مديريةِ التجارةِ وَالنافعةِ وَكَذلكَ إلى مديريةِ النقلِ البحريِّ تُطالبُهما بِاتخاذِ التدابيرِ اللازمةِ وَتأمينِ المصاريفِ وَالنفقاتِ لِنقلِ المهاجرِينَ برّاً وَبحراً إلى حلبَ وَسوريا وَبيروتَ. وَقدْ تمَّ فعلاً نقلُ ألفِ مهاجرٍ إلى بيروتَ وَألفٍ آخرَ إلى سوريا بينما تمَّ نقلُ 2000 ‏ مهاجرٍ إلى ولايةِ حلبَ. وَكانَت كلُّ الرسائلِ تُطالبُ بِإجراءِ عمليةِ النقلِ وَالإسكانِ بِأسرعِ وقتٍ ممكنٍ. لقدْ عانَت الحكومةُ المركزيةُ من ازديادِ أعمالِ الشغبِ وَالعنفِ في إزمير نتيجةَ انتقالِ أعدادٍ كبيرٍ من المهاجرِينَ إليْها فَكانَ لا بدَّ من إنجازِ عمليةِ الإسكانِ وَتوزيعِ المهاجرِينَ وَإقناعِهمْ بِالذهابِ إلى أماكنَ يَرغبُونَ بها بِأنجعِ السبلِ وَأَنفعُها لهم.

وَفي 10‏ تموزَ 1315‏ تقويمُ رومي الموافقِ فيهِ 22 تموزَ 1899 تمَّ نقلُ 1214 مهاجراً من إزميرَ، كما تمَّ لاحقاً نقلُ 605 مهاجرٍ من ولايةِ حمصٍ إلى طرابلسَ الشامِ في أيارَ 1316 الموافقِ لِلعام ‎1900‏ لَقد تَم إِسكان المُهاجرين الحَرفيين وَأَصحاب المِهن فِي مَحلة مُؤلفة مِن ‎13‏ خانا فِي ضاحية مِن ضَواحي طَرابلس المَدينة، بَينما تَم إِسكان العاملين فِي الزِراعة فِي قَرية مُؤلفة مِن 208‏ مَزلا وَعَشرة دَكاكين وَمَدرسة واحدة وَمَسجداً واحداً‎٠‏ إِلا أَن عَملية الإِسكان هٰذه رافقها الكَثير مِن العُسر فِي تَأمين النَفقات وَالمَصاريف اللازمة لِإِنجاز المُهمة حَسب الخُطة المَرسومة لَها.
لَقد عانت الدَولة العُثمانية مِن مَشاكل كَثيرة وَضائقة مالية خِلال إِنجازها عَملية إِسكان المُهاجرين. كَما أَن الطَبيعة الجُغرافية لِوِلاية بَيروت لَم تَكُن مُلائمة تَماماً لِإِنجاز عَملية الإِسكان هٰذه مِن دُون مَشاكل. فِي الحَقيقة لَم تَكُن مُعظم أَراضي الدَولة العُثمانية فِي هٰذه البُقعة الجُغرافية مُلائمة لِعَملية الإِسكان، وَقَد تَم تِبيان ذٰلك فِي الكَثير مِن الوَثائق الحُكومية. ذٰلك لِأن مُعظم سُكان هٰذه المِنطقة كانوا يَتَعاطوْن التِجارة، بَينما كان قِطاع الزِراعة ضَعيفاً نِسبياً، كَما أَشارت التَقارير إِلى أَن الأَراضي غَير المستصلحة مِن السُكان المَحليين هِي مُعظمها إِما أَراض صَخرية أَو تَملؤها المُستنقعات، لِذٰلك يَجِب بَذل الكَثير مِن الجُهد لِاِستصلاحها قَبل أَن تُصْبح قابلة لِلإسْكان واِسْتقبال المهاجرينَ. بناء علَى هذِه المعْطياتِ، تمَّ اخْتيار اللاذقية مكانا مُناسبا لِاِسْتقبال جزْء منْ المهاجرينَ إلَى هذِه المنْطقة.

لقَد كان الاخْتلاف الثقافي والاجْتماعي بيْن المهاجرينَ الجدُد والسكّان المحَليينَ جزْءا كَبِيرا مِن المشْكلة أيْضا. وَيُمكنُ متابعةُ هذا الموضوعِ وَالوقوفِ على تفاصيلِهِ من الوثائقِ العثمانيةِ المحفوظةِ في الأرشيفِ. مثالٌ على ذلكَ الوثيقةُ المرسلةُ من وزارةِ الداخليةِ في البابِ العالي إلى ولاةِ الأمرِ في بيروتَ وَالمؤرخةِ في 25 شعبانَ ‎١326‏ الموافقُ فيهِ 22 أيلولَ 1908 تَحذرُهم من مغبةِ أمرِ معاملةِ المهاجرِينَ في طرابلسَ الشامِ من قبلِ الموظفِينَ المحليِّينَ معاملةً سيئةً، وَذلكَ بناءً على عريضةٍ قامَ بِإرسالِها بِاسمِ المهاجرِينَ السيدِ إسماعيلَ وَأصدقاءَهُ، وَتُطالبُهم فيها بِوضعِ حدٍّ لِإزعاجِ المهاجرِينَ وَالوقوفِ على جميعِ مطالبِهم في أقربِ وقتٍ ممكنٍ. على المقلبِ الآخرِ، فَقدْ وردَت شكوى في وثيقةٍ مؤرخةٍ في ‎13 شباطَ 1318 الموافقَ فيهِ 25 شباطَ 1900 تَتحدثُ فيها عن تجاوزاتِ بَعضِ المهاجرِينَ الذينَ حلُّوا في بَعضِ المدارسِ وَالمساجدِ وَوصفَت بَعضُ تصرفاتِهم بِمخالفةِ قواعدِ الشريعةِ الإسلاميةِ وَالقيامِ بِأعمالٍ تخريبِيَّةٍ، كما طالبَت السلطاتُ العثمانيةُ بِاستعجالِ عمليةِ إسكانِهم ما أمكنَ. من المؤكدِ أنَّ عمليةَ الإسكانِ هذهِ قدْ استغرقَت وقتاً طويلاً مما كانَ سبباً في معاناةِ كثيرٍ من المهاجرِينَ كما كشفَت المراسلاتُ المتبادلةُ بينَ الحكومةِ المركزيةِ وَولاةِ الأمرِ في الولاياتِ التي قدمُوا إليْها. وَفي الوثيقةِ المؤرخةِ في 27 تشرينَ الثاني 1327‏ ‏رومي الموافقُ فيهِ 10‏ كانونَ أولِ 1911‏ نَجدُ الحديثَ عن عدمِ إنجازِ إسكانِ المهاجرِينَ الذينَ قدمُوا إلى طرابلسَ الشامِ رغمَ مرورِ ‎12 سنةً على استقدامِهم إليْها كما تبينَ استمرارُ معاناتِهم لِلكَثير مِن المَشاكل وَالنَواقص. لَقد طالبت هٰذه المُراسلة الحُكومة المَركزية بِضَرورة إِيجاد الأَراضي المُناسبة وَتَأمين النَفقات اللازمة لِإِتمام عَملية الإِسكان بِالشَكل المَطلوب.

فِي الحَقيقة، لَقد عاشت الدَولة العُثمانية حَركة هِجرة كَثيفة فِي النِصف الثاني مِن القَرن التاسع عَشر ليسَ منْ كريت وحدَها فحسبُ وَلكنْ من مختلفِ البلادِ التي كانَت تَقعُ تحتَ سيطرَتِها، في وقتٍ كانَت الحكومةُ المركزيةُ تَرزحُ تحتَ وطأةِ عجزٍ اقتصاديٍّ وَماليٍّ كبيرٍ إضافةً إلى كمٍّ هائلٍ من الديونِ. كانَ لا بدَّ لِكلِّ ذلكَ أنْ يَكونَ لهُ آثارُهُ السلبيةُ في إنجازِ عمليةِ إسكانِ المهاجرِينَ القادمِينَ من جزيرةِ كريت. وَكانَ من أبرزِ ما عانى منهُ المهاجرُونَ الكريتيونَ إلى الشرقِ الأوسطِ هوَ تأخيرُ دفعِ مستحقّاتِهم وَالنفقاتِ المخصصةِ لهم في وقتِها المفترضِ. مثالٌ على ذلكَ، عدمُ دفعِ اليوميّاتِ المخصصةِ لِأكثرَ من ألفَيْ مهاجرٍ من الذينَ تمَّ استقدامُهم إلى سوريا وَمنها إلى بيروتَ لِإسكانِهم فيها، وَما قامُوا بهِ من اعتراضاتٍ تقدمُوا بها إلى الدوائرِ الحكوميةِ المحليةِ إضافةً إلى الرسائلِ التي بعثُوا بها إلى الحكومةِ المركزيةِ في الآستانةِ يَصفُونَ فيها مشاكلَهم وَيُعرضُونَ أوضاعَهم المأساويةَ وَما آلَت إليْهِ أمورُهم. وَقدْ أرسلَ والي بيروتَ إلى الحكومةِ المركزيةِ رسالةً يَصفُ فيها ما قامَ بهِ بَعضُ المهاجرِينَ العاطلِينَ عن العملِ الذينَ لمْ يَحصلُوا على يوميّاتِهم وَمرتباتِهم من الدولةِ من أعمالِ شغبٍ وَإخلالٍ بِالسلمِ الأهليِّ بِسببِ فقرِهم وَعوزِهم، وَطالبَ بِإرسالِ مبلغٍ وَقدرهُ 56000 قرشاً لِتسديدِ جزءٍ من هذهِ المخصصاتِ وَإعادةِ الأمورِ إلى وضعِها الطبيعيِّ.

وَبِالرغمِ من كلِّ الجهودِ المبذولةِ لِاحتواءِ هذهِ الأزمةِ فَإنَّ الدولةَ بقيَت عاجزةً عن تسديدِ ما يَلزمُ وَصرفِ المبالغِ اللازمةِ لِإنجازِ عمليةِ الإسكانِ وَما رافقَها من احتياجاتٍ وَمستلزماتٍ. لقدْ أرسلَ والي بيروتَ بِرسالةٍ إلى وزارةِ الماليةِ في البابِ العالي يُخبرُها فيها بِتعذرِ إسكانِ كلِّ المهاجرِينَ الذينَ وصلُوا إلى طرابلسَ الشامِ سواءٌ مباشرةً أوْ من حمصٍ، وَأنَّ مبلغاً وَقدرهُ ‎9000‏ ليرةٍ عثمانيةٍ يَجبُ تأمينُها لِتغطيةِ مصاريفِ الإسكانِ بِشكلٍ كاملٍ. إلا أنَّ متابعةَ الوثائقِ العثمانيةِ يَظهرُ عجزَ الدولةِ عن تأمينِ هذا المبلغِ بِالكاملِ وَبِالتالي استمرارُ مشكلةِ الإسكانِ وَجميعِ أنواعِ الصعوباتِ وَالنواقصِ التي رافقَتها وَبقاءِ قسمٍ من المهاجرِينَ في حالةِ معاناةٍ وَعوزٍ. كانَ من الواضحِ عدمُ استطاعةِ الحكومةِ المركزيةِ أنْ تُغلقَ هذا الملفَّ بِالطريقةِ المناسبةِ.

النتيجة

إنَّ منْ الحقائقِ التي لا تَقبلُ النقاشَ أنَّ كلَّ هجرةٍ تَحملُ معَها الكثيرَ الكثيرَ من الصعوباتِ وَالمشاكلِ وَالآلامِ. لقدْ أَجبرَ المسلمُونَ الكريتيونَ على مغادرةِ أوطانِهم في مراحلَ متعددةٍ من مراحلِ خسارةِ الدولةِ العثمانيةِ وَهزائمِها العسكريةِ وَالسياسيةِ طوالَ فترةِ القرنِ التاسعَ عشرَ. لقدْ بدأَت المراحلُ الأولى لِلهِجرة بِشَكل اِختياريٍّ عِندما وَجد قِسم مِن المُسلمين عَدم اِستطاعتِهِم أَن يَتَحملوا ما يَجْري فِي كريت مِن قَلاقل وَثَورات مُتعاقبة، وَأُجْبر القِسم الثاني عَلى الخُروج قَسراً بَعد مَعارك عَسكرية وَمَجازر داخل الجَزيرة، وَهناكَ قسمٌ ثالثٌ خرجَ بعدَ تسويةٍ سياسيةٍ وَقرارٍ بِمبادلةِ الرومِ في أراضي الجمهوريةِ التركيةِ بِالمسلمِينَ القاطنِينَ في مناطقِ حكمِ اليونانِ. كانَ لِكلِّ هجرةِ مأساتُها وَحكاياتُها وَمصاعبُها، وَكانَ كلُّ كُريْتيٍّ مهاجرٍ يَروي قصصَ الآلامِ التي عاشَها وَالتحدياتِ التي واجهَها. في رحلَتِهِ من وطنِهِ الأمِّ إلى أوطانٍ جديدةٍ. لقدْ خرجَ الكريتيونَ وَهم يَحملُونَ معَهم هويَّتَهم الإسلاميةَ وَتبعيتَهم العثمانيةَ فَدفعُوا من انتمائِهم لِذلكَ بأنْ أخرجُوا من ديارِهم وَأوطانِهم. على مقلبٍ آخرَ فَقدْ خرجَ الكريتيونَ المسلمُونَ يَحملُونَ معَهم لفتَهم الأمُّ التي كانَت تَتعارضُ ظاهريّاً معَ هويَّتِهم الإسلاميةِ وَالعثمانيةِ. إنَّ من الطبيعيِّ أنْ يَكونَ هناكَ أناسٌ لا يَتكلمُونَ التركيةَ من العربِ وَالكردِ وَغيرِهم من المسلمِينَ الذينَ يَتبعُونَ بمواطنيتهم لِلدَولة العُثمانية، وَلٰكن اللُغة اليُونانية التي كان يَتَكلمها المُهاجرون المُسلمون مِن كْريت كانت سَبباً بِعَدم تَقَبل قِسم كَبير مِن السُكان المَحليين لَهم وَاِستبعادهِم وَالتَشكيك بِهُويتهِم وَحَتى بِإِسلامهِم فِي المَناطق التي هاجروا إِليها وَخُصوصاً فِي الأَناضول.

لَقد اِستطاعت القَلاقل وَالمَشاكل المُتعاقبة فِي كُريت طَوال القَرن التاسع عَشر وَالتي تُوجت بِأَعنف الأَحداث فِي أَواخر القَرن المَذكور أَن تُفَرق فُروع شَجرة واحدة كانتْ أَغصانها مُتشابكة مَع بَعْضها البَعض لِمِئات السِنين. لَقد هاجر المُسلمون الكريتيون مُرغمين، لِيَبْتعدوا عَن جِيرانهِم وَوَطنهِم الذي اِعتادوا أَعرافهُ وَتَقاليدهُ إِلى مَناطق أُخرى فِي شَمال أَفريقيا وَالشَرق الأَوسط، فَحَلوا بَين شُعوب هٰذه المَناطق لِيُواجهوا ضُروباً مِن العَذاب وَالآلام لِأنهُم كانوا غُرباء عَن هٰذه المَناطق ‏ كُل شَيء تَقريباً وَبِكُل ما تَعْنيهِ هٰذه الكَلمة. لَقد أَسكنوا فِي مَناطق لا يَعْرفون جُغرافيتها وَلا يُتْقنون لُغة أَهلها وَلا عاداتهِم وَتَقاليدهُم، كانَ منْ الطبيعيِّ أنْ يَعيشُوا فيها كَالغرباءِ ويكابدوا فَيا المآسي وَالآلامَ.

وَمعَ أنَّ الموضوعَ خارجٌ عن إطارِ هذا البحثِ، إلا أنَّهُ من المثيرِ لِلاِهتمام أَن نَعْرف تَفاصيل وَحِكايات المُهاجرين المُسلمين مِن جَزيرة كريت الذين اِستوطنوا أَراض أَصبحت خارج حُدود الجُمهورية التُركية فِي القَرن العِشرين فَنَعْلم ما الذي حَل بِهم وَكَيف اِستمرت حَياتُهُم وَما هِي أَبرز المَشاكل التي واجهوها. وَسَواء أَكان ذٰلك فِي شَمال إِفريقيا أَو بِلاد المُتوسط، يَجِب عَلينا أَن نَبْحث عَبر حِكايات الناس وَرِواياتهِم عَن تَفاصيل هِجرة آبائهِم وَأَجدادهِم إِلى الوَطن الجَديد. أَما المُسلمون الذين بَقوْا ضِمن أَراضي اليُونان، فَنَحن نَعْلم أَنهُ تَمتْ مُبادلتهُم بِالسُكان الرُوم مَع الجُمهورية التُركية فَاِنتقلوا إِلى أَراضي الدَولة التُركية وَحازوا عَلى جِنسيتها. إِن الوُقوف عَلى تَفاصيل المُبادلة وَمَعرفة كُل حِكاياتها كان أَمراً يَسِيراً نِسبياً إِذا ما قُورن بِحِكايات المُهاجرين، رَغم أَنهُم تُشاركوا نَفس القَدر وَنَفس المُعاناة وَالآلام.

المراجع

Loading

اترك تعليقاً