لماذا لا ننسى كيف نركب الدراجة؟

  ثقافة, علوم لا توجد تعليقات

طريقة الدماغ في معالجة وحفظ الذكريات والمعارف

إن كنت قد تعلمت كيف تقود دراجتك في صغرك، ثم أخذتك الحياة حال كبرك بعيداً عن هذه المهارة، فإنه من الصعب جداً أن تنسى كيف كنت تقوم بها في صغرك، ولو حاولت أن تعود في أي وقت الآن ستجد الأمر يسيراً، مهارة كمهارة ركوب الدراجة ستبقى معك، دائماً.

كيف نقوم بذلك؟ في حين أننا ننسى في كثير من الأحيان كثيراً من الأشياء، كاسم شخص كنا نعرفه يوماً ما، أو اسم مكان أو موقعه على الخريطة؟ يعود الأمر أساساً لطريقة الدماغ في حفظ الذكريات المختلفة واسترجاعها.

لن تنسى يوماً كيف تقود دراجتك، فهي مهارة سترافقك دوماً، المصدر: Bixabay

تمهيد تعريفي

قبل أن نبدأ في شرح طريقة تخزين الأنواع المختلفة من الذكريات في الدماغ لا بد من أن نستعرض سريعاً بعض أجزاء الدماغ الأساسية ووظائفها المختلفة:

  • القشرة الدماغية (The Cortex): وهي الجزء الخارجي من الدماغ، تبدأ فيها عمليات التفكير والحركات الإرادية.
  • جذع الدماغ (The Brain Stem): وهو الجزء الواصل بين النخاع الشوكي وباقي الدماغ، يتم التحكم بالوظائف الأساسية مثل التنفس والنوم في هذا الجزء
  • النوى القاعدية (The Basal Ganlia): وهي عقد عنقودية تقع في مركز الدماغ، وهي تعمل على تنسيق العمل بين أجزاء أخرى من الدماغ.
  • المخيخ (The Cerebellum): يقع في قاعدة الدماغ وهو مسؤول عن التنسيق والتوازن.
  • الحصين (The Hippocampus): هذا الجزء يلعب دوراً أساسياً في معالجة الذكريات وحفظها.

تجارب الذاكرة

تم إجراء العديد من الدراسات والبحوث على أجزاء مختلفة للدماغ في محاولة لمعرفة وظائفها وأهميتها، وتعد حالة “هنري جوستاف مولايسون” من الحالات المشهورة في أهميتها على اختبارات أجزاء الذاكرة في الدماغ. تُعرف هذه الحالة أيضاً باسم (H&M).

هنري مولايسون

ولد هنري مولايسون عام 1926، بدأت قصته عندما تعرض في صغره لحادث تسبب له بحالات صرع مزمن، في عام 1953 قام بعمل جراحة استئصالية لأجزاء كبيرة من الدماغ في محاولةً لحل مشكلة الصرع، أُزيل في هذه العملية جزء كبير من الحُصَيْن والذي لم تكن وظيفته في الدماغ واضحة بعد.

الحُصَين، مصدر الصورة الموسوعة المفتوحة ويكيبيديا

نجحت العملية في تحقيق هدفها، اذا تباعدت حالات الصرع التي كان يصاب بها هنري، لكن كان لها أثر جانبي ظهر لاحقاً وهو فقدانه للذاكرة، لم يفقد ذاكرته بشكل كامل، لكنه فقد جزءاً من ذكرياته قبل العملية إضافةً إلى عدم قدرته على تكوين ذكريات جديدة.

تم عمل الكثير من الدراسات على حالة هنري، في  إحدى هذه الدراسات طلبت منه عالمة الأعصاب بريندا ميلنر (Brenda Milner) أن يقوم برسم خط بين نجمتين مرسومتين بداخل بعضهما، لكن دون النظر مباشرةً إلى ورقة الرسم، بل بالنظر إليها من خلال المرآة، واجه هنري صعوبةً في تنفيذ الأمر في البداية، لكن أداءه تحسن مع كل مرة يعيد فيها التجربة، أي أنه كان يتعلم كيف يقوم بذلك، الملفت في الأمر أنه في كل مرة كان يعيد فيها التجربة كان يظن أنه يقوم بها للمرة الأولى.

من هذه التجارب وغيرها توصل العلماء إلى وظيفة الحصين المتمثلة في ربط الذكريات ببعضها وتحويل الذكريات قصيرة الأمد إلى ذكريات طويلة الأمد والاحتفاظ بها.

أنظمة الذاكرة في الجسم

توصل العلماء من حالة هنري إلى كثير من النتائج المهمة المتعلقة بالدماغ، خصوصاً جانب الذكريات وحفظها.

هناك عدة أنواع من الذكريات تخزن كل منها في مواقع خاصة في الدماغ، بدايةً لدينا الذاكرة قصيرة المدى التي تعالج الذكريات الآنية، لكن تركيزنا هنا سيكون على الذاكرة طويلة المدى التي تخزن الذكريات والمعارف لأوقات طويلة.

تُقسم الذاكرة طويلة المدى إلى نوعين أساسيين: الذاكرة المعرفية (Declarative Memory) والذاكرة الإجرائية (Procedual Memory)

الذاكرة المعرفية

وهنا تخزن المعارف الأساسية والذكريات، وتُقسم بدورها إلى:

  • الذاكرة العرضية “الحدثية” (Episodic Memory): في هذه الذاكرة يتم تخزين الذكريات والخبرات الأساسية المتعلقة بأحداث بعينها، كأول يوم لنا في المدرسة، أو أول تجربة وظيفة وغيرها.
  • الذاكرة الدلالية (Semantic Memory): هذه الذاكرة تخزن المعارف الأساسية، مثل اسم عاصمة دولة ما أو اسم حيوان ما.

في الذاكرة المعرفية أنت مدرك للمعارف التي لديك وتستطيع ربط المعلومات والخبرات ببعضها.

الذاكرة الإجرائية

كما يوحي اسمها فإن هذه الذاكرة مختصة في التعامل مع الأنشطة الحركية والإجرائية المختلفة، أي أنها مسؤولة عن “إجراء” العمليات المختلفة في الجسم، وظائف مثل حركة الجسم، ومهارات مثل العزف أو ركوب الدراجة.

من أكثر استقراراً؟

كما أوحت لنا حالة هنري مولايسون فإن الذكريات المخزنة في الذاكرة الإجرائية أكثر ثباتاً واستقراراً من الذاكرة المعرفية.

في الحالات الطبيعية (أي التي لم تتعرض لعملية استئصال كهنري أو لم تتعرض لحوادث أدت إلى إلحاق ضرر بالدماغ) وُجد أنه من الصعب نسيان ما تم تخزينه في الذاكرة الإجرائية، بينما تُنسى المعلومات والذكريات المعرفية بسهولة أكبر نسبياً.

إحدى الأفكار التي تفسر هذا هي أن الذكريات الإجرائية تُخزن في أماكن لا يتم تجديد الخلايا العصبية فيها بشكل كبير، لذلك فإنها لا تزول ولا تُمحى، هذه الأماكن هي نفسها التي تخزن فيها أنماط الحركة، لذا فهي غالباً ثابتة ولا تتشكل باستمرار، وإلا –ببساطة- سوف تنسى كيف كنت تمشي.

في حالات الحوادث وإصابات الدماغ الشديدة، ترى بعض النظريات أن الذاكرة الإجرائية لا تتأثر كثيراً لأن النوى القاعدية التي تُخزن فيها هذه الذكريات موجودة عميقاً في مركز الدماغ، أي أنها محمية من الصدمات.

خلاصة

اذاً أنت لا تنسى كيف تركب الدراجة، أو لا تنسى كيف تمشي لأن هذه الوظائف مخزنة في الذاكرة الإجرائية والتي من الصعب إلحاق الضرر بها أو فقدان المعلومات منها، وإضافةً لهذا السبب، فإن عملية ركوب الدراجة تستلزم تنسيق أجزاء عدة من الجسم مع بعضها، فمثلاً تقوم القشرة الدماغية بتخطيط حركة العضلات وتنفيذها ويقوم المخيخ بإدارة التوازن وتقوم العقد القاعدية بإبقاء حركاتك سلسلة وسهلة وحفظ العملية في الذاكرة الإجرائية.

هذا الزخم من المعلومات والتنسيقات يساعد أيضاً على حفظ العملية بشكل مثالي، حتى تستطيع العودة لدراجتك في أي وقت تريده، قد يكون هذا الوصف للعلمية أبسط بكثير من الواقع، لكنه الفكرة الأساسية تدور حوله.

جرب ركوب دراجتك قريباً، اشعر بالحيوية والنشاط، واحظ ببعض المرح من أيام الطفولة.

المصادر

اترك تعليقاً