درس من أخلاق الخليفة العباسي المأمون

  حكايات وعِبر لا توجد تعليقات

القاضي يحيى بن أكثم في ضيافة الخليفة المأمون

المبيت بحضرة المأمون

يقول القاضي ابن أكثم: كنت نائما ذات ليلةٍ عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح بغلامٍ يسقيه، وأنا نائم، فيوقظني من نومي، فرأيته وقد قام يمشي على أطراف أصابعه حتى أتى مكانَ الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان (فخّارةُ الماء) نحو من ثلاثمائة خطوة، فأخذ منها كوزاً، فشرب، ثم رجع يمشي على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه، فخطا خطوات خائف لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه.

ثم رأيته آخر الليل قام يبول، وكان يقوم في أول الليل وآخره، فقعد طويلاً ينتظرني أن أتحرك لينادي الغلام (الخادم)، فلما تحرّكت وثب قائما وصاح يا غلام، وتأهب للصلاة. ثم جاءني،

فقال لي: كيف أصبحت يا أبا محمد، وكيف كان مبيتك؟
قلت:خير مبيت جعلنى الله فداك يا أمير المؤمنين،
قال: لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح بالغلام، فأزعجك،
فقلت: يا أمير المؤمنين قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء، وأحب لك سيرتهم، فهناك الله تعالى بهذه النعمة، وأتمّها عليك، فأمر لي بألف دينار، فأخذتها وانصرفت.

قال: وبت عنده ذات ليلة، فاستيقظ وقد تعرَّض للسُّعال، فجعلت أرمقه، وهو يحشو فمه بكم قميصه يدفع به السعال حتى غلبه، فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته، فأنتبه.

في البستان

قال يحيى: وكنت معه يومًا في بستان ندور فيه، فجعلنا نمر بالريحان، فيأخذ من الطاقة والطاقتين ويقول القيم البستان : أصلح هذا الحوض، ولا تغرس في هذا الحوض شيئا من البقول، قال يحيى : ومشينا في البستان من أوله إلى آخره، وكنت أنا مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل، فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل، ويكون هو في الشمس، فأمتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان، فلما رجعنا قال: يا يحيى والله لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك، وتأخذ نصيبك من الظل كما أخذت نصيبي، فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت، فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي، وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا، فإنه لا خير في صحبة مَن لا يُنصف.

المراجع

  • إعلام الناس بما وقع للبرامكة، الإتليدي.
  • المستطرف في كل فن مستطرف، شهاب الدين الأبشيهي، الجزء الأول، ص129.
  • قصص العرب، الجزء الأول، محمد أحمد جاد المولى، المكتبة العصرية، 1939.

اترك تعليقاً