التشهير الإلكتروني وفوضى العواطف

  ثقافة لا توجد تعليقات

التّشهير عبر الإنترنت أو التشهير الإلكتروني هو عبارة عن انتقاد جماعي لتصرف معين قام به شخص بقصد أو بدون قصد يجَرِّمُه أو يُشينه المجتمع، ويقوم من خلاله المنتقدون بالتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها بمرتكب هذا التصرف.

وفي عصر الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي، يستغرق الأمر بضع ثوانٍ فقط لتحميل صورة أو مقطع فيديو انتقادي أو تشهيري كي يراه العالم، لكن تداعيات هذا التشهير على للأفراد المُنتقدين أو المُشهر بهم يمكن أن تدوم مدى الحياة، كما يوضح الدكتور غاي أيتشيسون، زميل مجلس الأبحاث الأيرلندي في كلية دبلن الجامعية.

وسائل التواصل الاجتماعي تعد بيئة خصبه للتنمر والتشهير وبث الكراهية

الانتقاد الجماعي ظاهره مفيدة حيث اذا تعدى شخص على طابور في دائره حكومية ينهال عليه الناس بالنقد والشتيمه أحياناً وهذا أمر صحي. ولكن اليوم نرى أن التكنولوجيا تسمح بنقل تلك الأحداث على الفور ومشاركتها مع الملايين من مستخدمي الإنترنت بفضل الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي.

بعد انتشار تلك المقاطع المسيئة على الإنترنت تبدأ عملية لَطم غوغائي جماعي أي انتقادات وسخرية وربما شتيمه والمطالبة بالفصل من العمل وتهديد بالقتل أحياناً تستهدف حياة الشخص المستهدف. وهذا يسمى فوضى المشاعر أو العواطف أو الغضب الجماعي. لأن الفعل الخطأ في كثير من الأحيان لا يصل حد تهييج مشاعر حقد جامحه تصل التهديد بالقتل.

يوضح الدكتور أيتشيسون أن هذا يمكن أن “يتصاعد قريبًا إلى شكل من أشكال النبذ ​​الاجتماعي” وغالبًا ما يكون “عقابًا” يكون “غير متناسب تمامًا مع الجريمة الأصلية”.
ويضيف: “كانت هناك العديد من الحالات التي تلاحق الأشخاص الخطأ أو تفهم الحادثة بطريقة خاطئة تماماً”.

حادثة مطار عمّان بسبب الحجر الصِّحي

تفاجأ الكثير من المسافرين القادين إلى العاصمة الأردنية عمان في السابع عشر من آذار/مارس 2020 بقرار السلطات الأردنية نقلهم إلى فنادق البحر الميت لحجرهم لمدة أسبوعين بسبب انتشار فايروس كورونا المستجد.

كانت ردة فعل الكثيرين صارخه بسبب الصدمة. أحدهم كانت سيدة أردنية التقطتها عدسة الهاتف المحمول وهي تقول “بدي أخلي بابا يتدخل” إلتقط المغردون ورواد شبكات التواصل الاجتماعي الفيديو وبدؤوا يتنمرون على السيدة ووصفها بالكثير من الكلام اللاذع وتركيب فيديوهات لأغاني عربية وغيرها منتقدين تصرفها ملمحين بأنها تريد استخدام سلطة والدها حتى لا يتم حجرها.

الحقيقة لا نعرفها لربما كانت تريد الاستنجاد بوالدها كما تفعل أي سيدة في هذا العالم. لاقى هذا التنمر انتشاراً واسعاً للأسف، وحتى حين تم انتقاد هذا التّنمُر من قبل وسائل الإعلام يبدو أنه من الصعب الآن إعادة الاعتبار للسيدة التي انتهكت خصوصيتها وأهينت بدون ذنب بهذا الشكل الصارخ.

قصة بائعة الماء

بعد ظهر يوم السبت ، كانت جوردان رودجرز ، البالغة من العمر ثماني سنوات ، تبيع زجاجات المياه مقابل دولارين لكل منهما من صندوق ماء بارد إلى مشجعي البيسبول العطاشا تحت أشعة الشمس في سان فرانسيسكو في الوالايات المتحده.

لقد كانت تأمل في كسب ما يكفي من المال لتمويل رحلة حلم إلى ديزني لاند، ولكن روح المبادرة لدى الفتاة الصغيرة سُحقت عندما هددتها امرأة من المارة بتبليغ الشرطة عن قيام الفتاة ببيع المشروبات في الشارع دون تصريح.

بعد ساعات قليلة ، شاهدها ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم وبدئوا يصدرون الأحكام على اللقطات، التي تم تحميلها على تويتر من قبل ابنة عم الفتاة ، مما أدى إلى أن تصبح هذه المرأة شخصية مكروهة على الإنترنت ملتصقةً بهاشتاغ “تصريح باتي”.

“ابنة عمي الصغيرة كانت تبيع المياه ولم يكن لديها تصريح … لذلك قررت هذه السيدة استدعاء رجال الشرطة لطفل يبلغ من العمر 8 سنوات”، قام ابنة عم الفتاة راجي لي بالتغريد إلى جانب اللقطات التي شوهدت أكثر من ستة ملايين مرة وتم مشاركتها في جميع أنحاء العالم.

“يمكنك إخفاء كل ما تريدين” ، تقول لي للمرأة وهي تختبئ خلف جدار في المقطع. “العالم كله سيراك”

وتبعت الحادثة تهديدات بالقتل موجهة إلى المرأة نتيجة تصويرها وفضحها على الإنترنت. منذ الحادث، واجهت المرأة أيضًا اتهامات بالعنصرية ووابلًا لا يتوقف من التعليقات المسيئة.

اعتذرت المرأة المنبوذة فيما بعد عن الحادث وكشفت أنها تظاهرت فقط بالاتصال بالشرطة، وقالت: “لقد كان خطأ ، وأتمنى لو لم يحدث”.

هل تستحق تلك القصه كل ذلك التعنيف؟ لدرجة التهديد بالقتل؟

معالجة التنمُّر الإلكتروني والكراهية عبر الإنترنت

يعتقد الدكتور أيتشيسون أن شبكات التواصل الاجتماعي “تشجع” على التشهير الإلكتروني، موضحاً أن “المزيد من الغضب يعني المزيد من النقرات والمزيد من الأرباح من خلال الإعلانات”.

وهو يعتقد أن هناك مجالًا كبيرًا لتحسين الأداء تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي القيام به عندما يتعلق الأمر بمعالجة هذا الاتجاه الخطير.

ويضيف قائلاً: “يمكن لشركات التواصل الاجتماعي فعل المزيد لفرض القواعد الحالية ضد التهديدات والمضايقات وانتهاكات الخصوصية وغيرها من الانتهاكات”. “يجب أن يكون هناك توازن يحترم الخصوصية وحرية التعبير”.

ربما بإمكان شبكات التواصل الاجتماعي كتويتر وفيسبوك منح المُهاجمين حق الرّد وإبداء الرأي.

“في النهاية ، ربما نحتاج إلى تطوير قاعدة اجتماعية جديدة ضد الكراهية والتنمر العلني على الإنترنت ، وهي قاعدة لا يتم فرضها من خلال التشهير”.

اترك تعليقاً