الانحدار نحو المتوسط

  مال وأعمال لا توجد تعليقات

يتعامل علم الإحصاء مع الحوادث عن طريق العديد من المتغيرات، مثل التكرار والاحتمال والمتوسط وغيرها، و يتم عادةً تمثيل البيانات و تحليلها عن طريق منحنيات تبين علاقة هذه المتغيرات ببعضها البعض، ويعد منحنى التوزيع الطبيعي (normal distribution curve) من المنحنيات الشائعة في علم الإحصاء.

 يعتمد هذا التوزيع بشكل أساسي على توزع البيانات بانتظام حول متوسط القِيم، و على قيمة انحراف معياري خاصة بالبيانات، حيث تحسب هاتان القيمتان عن طريق معادلات رياضية خاصة.

صورة تعبيرية لمنحنى التوزيع الطبيعي، منحنى الجرس ( المصدر: pixabay )

لماذا الانحدار نحو المتوسط

تُوصف ظاهرة الانحدار نحو المتوسط بأن أي قيمة شاذة أي بعيده عن المتوسط في تجربة معينة أو حادثة معينة، ستتجه (تنحدر) نحو متوسط القيم السابقة اذا ما أُعيدت التجربة مستقبلاً، بمعنى أن القيم تتجه دائماً إلى المتوسط.

أول من لاحظ هذه الظاهرة هو السير فرانسيس غالتون والذي سماها أصلاً ب” الانحدار نحو التَّوسط (regression towards mediocrity) “، اعتمد غالتون على اختبار “لوح غالتون”، و هو لوح مقسم إلى قسمين، القسم العلوي يحتوي على مجموعة من المسامير الصغيرة مرتبة في عدة صفوف، و القسم السفلي مقسم إلى مجموعة من الخانات.

 يتم وضع مجموعة من الكرات الصغيرة في اللوح، تشق طريقها عبر القسم العلوي، عند اصصدام أي كرة في أي مسمار فإنها ستتوجه يميناً أو يساراً، ثم في الصف التالي يميناً أو يساراً كذلك، و هكذا، بحيث لا يمكن التنبؤ بمسار كل كرة على حدة، و لكن يمكن وضع مجموعة من النتائج التي ستظهر في كل مرة، من هذه النتائج: أنّ معظم الكرات ستتجه (تنحدر) نحو الخانات في المنتصف، و هذا بالضبط ما سماه غالتون “الانحدار نحو المتوسط”.

أمثلة

ضرب غالتون مجموعة من الأمثلة العملية على هذه الظاهرة، فمثلاً الآباء الطوال سينجبون – غالباً – أبناءاً أقصر منهم، لأن الأبناء سيتجهون في طولهم نحو الطول المتوسط في المجتمع، و كذلك بالعكس، اذا كان الآباء قصاراً.

مثالٌ آخر طرحه العالم الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد دانيال كانيمان: الطيار الذي يحقق أداءاً جيداً جداً (فوق المتوسط) في الاختبارات الأولى، ستكون نتائجه في الاختبارات التالية أسوء (أقرب للمتوسط)، كذلك اذا أحرز لاعب كرة في أحد المواسم عدداً معينا من الأهداف أكثر من المتوسط، فإن نتيجته في الموسم التالي ستكون – غالباً – أقل من موسمه الحالي.

 وليس السبب في كلتا الحالتين أن (الطيار أو لاعب الكرة) قد فقدا جزءاً من مهارتهما، و لكن لأن أداءهما فوق المتوسط كان – أصلاً – بسبب ظروف عشوائية خارجة عن إرادتهما، مما مكنهما من تحقيق إنجازات أفضل من متوسط القيم.

الانحدار نحو الذيل بدل الانحدار نحو المتوسط

حتى تكون ظاهرة الانحدار نحو المتوسط فعّالة، لا بد من أن تكون أعداد العينات المدروسة كافية حتى يتم حساب متوسط يُنصف مجموعة العينات، ولكن ماذا إذا كانت قيم العينات لا تُشكِّل متوسطاً منطقياً؟ بمعنى أن المتوسط المحسوب لا يمثل حقيقةً العينة الموجودة، في هذه الحالة فإن هناك ظاهرة مقترحة أخرى تحلل الحدث إحصائياً، و هي ظاهرة الانحدار نحو الذيل، في هذه الظاهرة فإن القيم في الحدث المعين ستتجه إلى التضاعف في كل مرة، أي أن القيم ستخضع لدالة أُسية، هذا ينطبق على الأحداث غير المتوقعة مثل الجوائح كوفيد-19، أو الحروب كما حدث في سوريا، أو الاختراقات الأمنية الالكترونية للبنوك وغيرها. فلن يكون لمتوسط القيم معنىً في هذه الحالات.

خاتمة

علم الإحصاء من العلوم القديمة التي رافقت البشرية و تطورها على مر العصور، و الظواهر المختلفة مثل ظاهرة الانحدار نحو المتوسط و الانحدار نحو الذيل من التطبيقات المهمة التي تساعد العالم كل يوم على التقدم و التنبأ بالمستقبل و ظواهره و كيفية التعامل معه.

المصادر


اترك تعليقاً