الانحدار نحو الذيل

  مال وأعمال لا توجد تعليقات

في نهاية سنة 2019، وبداية سنة 2020 ، كان العالم على موعدٍ مرتقب مع الزائر الغريب، فيروس من عائلة كورونا سُمي فيروس كوفيد- 19، اختلفت طرق التعامل مع الفيروس حول العالم، كما اختلفت نظرة الناس له و تقييمه والتعامل معه.

 وما  بين خائفٍ و متشكك كان لعلماء الإحصاء قولٌ آخر، حيث قاموا بتطبيق النظريات والظواهر الاحصائية المختلفة لتوقع نتائج ومآلات فيروس كورونا المُستجد على البشرية، ومن أهم هذه الظواهر ظاهرة الانحدار نحو الذيل.

الفرق بين الانحدار نحو المتوسط والانحدار نحو الذيل

في بعض الحالات الإحصائية، لا تشكل مجموعة القيم متوسطاً حقيقياً، بمعنى أنّ القيم لا تتمركز حول قيمة متوسطة، في هذه الحالة فإن المتوسط يتجه إلى اللانهاية (المتوسط غير موجود)، و هذه الحالة تحدث عندما تخضع القيم لدالة أُسِّية (Power function)، في هذه الحالة فإن المتوسط لا معنى له ولا يمكن الاعتماد عليه وغير موجود أصلاً، هنا نلجأ لقانون الانحدار نحو الذيل.

ينطبق هذا الانحدار كما قلنا على الأحداث التي لا متوسط لها، مثال ذلك: الجوائح والكوارث الطبيعية والجرائم الالكترونية والحروب وغيرها، وبالطبع فإن تفشي فيروس كوفيد-19 يُعد من التطبيقات المهمة على هذه الظاهرة.

يوضح بينت فليبريج (Bent Flyvbjerg) البروفيسور في جامعة أوكسفورد في مقاله البحثي “معنى قانون الانحدار نحو الذيل”. أنَّ القِيَم تتضاعف بسرعة، بحيث تكون القيمة في كل مرة أضعاف المرة السابقة، وهذا ما نعينه تحديداً بالدالة الأُسية، وبناءً على هذا، فإن أعداد الإصابات بفيروس كوفيد-19 تتضاعف بشكل مضطرد مع مرور الأيام.

 وبغض النظر عن مدى كارثية هذ الحدث أو غيره، فبحسب الانحدار نحو الذيل فإن العالم سيكون على موعد مع حدث أشد فتكاً و أكثر كارثية، “المسألة مسألة وقت ليس إلا..” كما يقول بينت.كما يعتقد بينت أن الانحدار نحو الذيل سيكون هو الظاهرة الطبيعية بدلاً من الانحدار نحو المتوسط لما يشهده عالمنا اليوم من تطورات متسارعة.

أمثلة

يُعد تداخل النظم الإنسانية مع الطبيعة من العوامل المهمة في الاضطرابات الطبيعية التي تحدث من حولنا، فالكوارث الطبيعية المتوقعة خلال السنوات القادمة تكاد تعصف بالبشرية ما لم يتم التدخل بشكل سريع و مباشر للحد من آثار هذه الكوارث، كل هذا يمكن التنبأ به من خلال المنحنيات الإحصائية التي تخضع لظاهرة الانحدار نحو الذيل، بمعنى أن كل كارثة طبيعية ستكون أشد و أصعب من سابقتها!

إضافةً إلى الجوائح و الكوارث الطبيعية، هناك مجموعة من الأحداث التي تخضع لخصائص منحنى الذيل، هذه الأحداث وإن كانت أقل خطورة على الإنسانية و أقل فتكاً إلا أن لها خطراً اقتصادياً مكلفاً جداً، مثال ذلك الألعاب الأولمبية، بناء محطات الطاقة النووية، السدود الهيدروكهربائية و غيرها.

لنأخذ الألعاب الأولومبية على سبيل المثال، تقدر قيمة التكاليف الرياضية المباشرة في هذه الألعاب ب 12 مليار دولار، و أضعاف ذلك للتكاليف غير الرياضية، تعاني الدول المستضيفة في معظم الأحيان من عجز اقتصادي في ميزاينة هذه الألعاب، قد يصل هذا العجز إلى نسبة 172% من القيمة الأصلية للألعاب، لا يمكن هنا تطبيق الانحدار نحو المتوسط، لكن الانحدار نحو الذيل يساعد بشكل كبير على توقع الخسائر الاقتصادية المترتبة على الدول و الأمم المستضيفة.

الانحدار نحو الذيل و كوفيد-19

هناك بعض الخصائص المهمة لهذه الظاهرة و الأحداث الإحصائية التي تخضع لها، قد يكون من أهم هذه الخصائص هو قابليتها الكاملة للتنبؤ، كان من الممكن جداً التنبؤ بحلول كارثة بيولوجية على مستوى العالم من خلال هذه الظاهرة، وقد تنبأ عدد من الأشخاص – بالفعل – بهذا، منهم العالم و الفيلسوف “نسيم نيكولاس طالب” مؤلف كتاب (Incerto)، وبيل غيتس مالك شركة مايكروسوفت حيث توقع مواجهة وباء عالمي قبل سنوات، إضافةً إلى العديد من علماء الأوبئة حول العالم.

من الخصائص المهمة أيضاً التي تحدث عنها بينت هي الطريقة الفعالة  الوحيدة لمواجهة الأحداث الخاضعة للظاهرة، و أهمها حالياً فيروس كوفيد-19، و هذه الطريقة تتلخص ب:

1- قطع الذيل: أي كسر سلاسل نقل العدوى بين الناس، عن طريق تحقيق التباعد الاجتماعي بينهم والإغلاقات في مختلاف المجالات إضافةً إلى وسائل الحماية الشخصية كالكمامات والعمل على إيجاد تطعيم.

 2- الاجراءات الاحترزاية: و التي يجب أن تطبق فوراً، بسرعة و على كافة الأصعدة حول العالم أجمع.

لنوضح ذلك بالأرقام، اذا وصلت عدد الحالات في أحد الأيام إلى 10,000 حالة، في حالة عدم القيام بالإجراءات اللازمة فإن هذا الرقم سيتضاعف بعد 9 أيام إلى 80,000 حالة، ثم سيتضاعف مرة أخرى ليصل إلى 640,000 حالة بعد 9 أيام أخرى.

الشكل يوضح تضاعف عدد الإصابات بشكل مضطرد

في المملكة المتحدة على سبيل المثال، قال نييل فيرغسون المستشار الأعلى لرئيس الوزراء وقائد فريق الاستجابة لكوفيد-19 في كلية إمبيريال التابعة لجامعة لندن: “لو أننا قمنا بالإغلاق أبكر بأسبوع، لتمكنا من تقليص الوفيات بالفيروس إلى النصف”  هذا الرقم يعني إنقاذ حياة أكثر من 32100 مواطن لغاية نهاية شهر يناير من العام 2020.

خاتمة

قد يكون فيروس كوفيد-19 درساً مهماً للبشرية في التعامل مع الجوائح و الكوارث، ورغم ما خلفه من خسائر في الارواح و خسائر اقتصادية عالمية جمة، إلا أنه لن يكون بأي حال من الأحوال بمستوى فتك الوباء القادم، أو الكارثة الطبيعية القادمة، ما لم تتصرف الدول و الشعوب على حد سواء للنجاة بكوكب الأرض من الأخطار التي تحيق به. ولهذا علينا استخدام نظم إحصائية مختلفة عن المعهودة كقانون الإنحدار نحو الذيل وقياس المخاطر بطرق مبتكرة.

المصادر:

اترك تعليقاً