إجهاد التَّعاون

  مال وأعمال لا توجد تعليقات

التعاون والعمل بروح الفريق من المعايير المهمة التي تحدد نجاح الفرد في عمله، رغم هذا فإن زيادة التعاون قد يسبب في كثير من الأحيان إجهاداً من نوعٍ خاص، أظهرت دراسات أن الوقت الذي يقضيه الموظفون في العمل الجماعي أو التعاوني في كثير من المؤسسات يتجاوز ال80% من وقت الموظف.

قد يشعر الموظف الذي يقدم المساعدة بشكل دائم لزملائه (سنسميه هنا: المُتعاون) بالإجهاد ومن ثم بالاستنزاف، مما يؤثر على انتاجيته في العمل وانتماءه للمؤسسة التي يعمل بها.

بحوث على إجهاد التعاون

من البحوث المهمة على الإجهاد الذي يسببه فرط التعاون مع الآخرين تلك التي قام بها كل من:

روب كروس (Rob Cross): وهو بروفيسور في كلية بوبسون في ويلسون، ماساشوستش، ومؤلف مشارك لكتاب “القوى الخفية للشبكات الاجتماعية”

وريب ريبيلي (Reb Rebele): وهو باحث ومدرس لبرنامج علم النفس التطبيقي الإيجابي (the Master of Applied Positive Psychology-MAPP) في جامعة بنسلفانيا (the University of Pennsylvania)

وآدم غرانت (Adam Grant) وهو بروفيسور في جامعة وارتون (Wharton) ومؤلف كتابي “الأصول” و “خذ واعطِ”.

في بحوثهم على التعاون وفرط  التعاون التي أجروها خلال العقدين الماضيين أظهرت دارساتهم أن الأنشطة التي تتطلب عمل الفريق تضاعفت بنسبة 50% وأكثر، مما يجبر الموظف على أخذ عمله الفردي إلى البيت، وتالياً سيتعرض هذا الموظف للإجهاد والاستنزاف.

توزيع “التعاون” غير عادل

أجرى الباحثون الثلاثة دراسات على أكثر من 300 مؤسسة، أظهرت هذه الدراسات أن “التعاون” المقدم من الموظفين لا يتوزع بشكل متناسب بينهم، تشير نتائج الدراسة أن 20-35% من الجهد التعاوني يقدمه ما نسبته 3-5% من الموظفين. السبب واضح هؤلاء الموظفين الذين يطلب الآخرون مساعدتهم يكونون خبراء أي أن خبرتهم توفر على الموظفين الآخرين ساعات طويلة من البحث والتقصي لحلول يمكن للخبراء حلها بدقائق أحياناً. وهذه يذكرنا بنظرية باريتو ونسبة 20-80.

قد تبدو هذه النسبة قليلة، أي أن عدد الموظفين المُجهدين بسبب التعاون في المؤسسة قليل، لكن اذا نظرنا إلى الأرقام من زاوية أخرى، سنجد ان هناك خللاً في أداء معظم الموظفين عندما يتعلق الأمر بالأعمال الجماعية، وذلك إما بسبب عدم توزيع متكافىء للخبرات أو الإعتماد على الموظفين الأكثر إنتاجاً. وهذا بالضرورة يؤدي إلى تركيز الضغط والإجهاد على “المُتعاونين” في المؤسسة.

من الأسباب الواضحة لهذه الظاهرة، أن المُتعاون يصبح معروفاً لدى الآخرين برغبته وقدرته على تقديم النصح أو المساعدة الفعلية لهم، بالتالي فإن مزيداً من الموظفين سيطلبونهما منه، حتى إن لم يكونوا بحاجة للمساعدة فعلاً –في بعض الأحيان-.

تكرار هذه العملية سيؤدي على المدى المتوسط إلى إنشاء اختناقات في العمل حول الموظف المتعاون، بحيث لا يتقدم الإنجاز في أي مشروع في المؤسسة دون مشاركته فيه، هذا سيؤدي إلى إنهاكه بشكل كبير وتقليل كفاءة أداءه في جميع الأدوار التي يقوم بها في المؤسسة.

الموارد الثمينة الثلاثة

وضع كل من روب وريب وآدم تقسيماً للمصادر (الموارد) الثمينة التي يحتاجها الموظفون من بعضهم البعض، هذه الموارد هي:

  1. الموارد المعرفية: تتضمن المعرفة والمهارات التي يستطيع المتعاون تمريرها لغيره.
  2. العلاقات (الموارد الاجتماعية): تتضمن موقع المتعاون وعلاقاته الواسعة في هيكل المؤسسة.
  3. الموارد الشخصية: وهي تتمثل بالوقت والطاقة اللتان يمتلكهما المتعاون.

يمكن اعتبار كلا الموارد المعلوماتية والاجتماعية موارد لانهائية، بمعنى أن المتعاون لا يخسر شيئاً عندما يقدمهما للآخرين، على عكس الموارد الشخصية التي تُعتبر محدودة.

نسبة المساعدة المثالية

أجرى هؤلاء الباحثون الثلاثة تحليلاً لشبكات علاقات الموظفين في شركة متخصصة في تقديم الخدمات المهنية والتحول الرقمي تسمى بلوتشيب لفهم أعمق لنسبة المساعدة أو التَّعاون المثالي.

شبكة علاقات الموظفين هي شبكة تربط الموظف مع الأشخاص الذين يتفاعل معهم في عمله، وتوضح أسباب وطرق التواصل بينهم، وهؤلاء الأشخاص يتوزعون في جميع الاتجاهات في الهيكل الوظيفي في المؤسسة، (أي أنهم قد يكونون زملاء أو مرؤوسين أو مدراء).

بعد تحليل مجموعة من الشبكات الخاصة بالمتعاونين (الخبراء والإجتماعيين)، تم تحديد عدد الأشخاص الذين يطلبون المساعدة من المتعاون -ولا تكون هذه المساعدة من المهام التي يجب عليه القيام بها، أي أنه يقوم بها طوعاً- وكانت هذه الأمثلة من النتائج التي حصلوا عليها:

بدؤوا بأكثر الأشخاص شُهرةً في الشركة بأنه خبير واجتماعي ومتعاون، ووجدوا أن لديه شبكة من 95 موظف ممن يتصلون به وتربطهم به علاقات وظيفية واجتماعية داخل المؤسسة. هذا الشخص أخبر الباحثين أن فقط حوالي %18 من الموظفين يطلبون منه المساعده في أمور وظيفية خاصة من بين الموظفين الذين يتعامل معهم.

وحين توجه الباحثون إلى موظفة أخرى من أصحاب الخبرة والمهارة في المؤسسة وشكل عدد الموظفين في شبكتها الوظيفية 89 شخصاً، أخبرتهم بأن 40% من الموظفين يطلبون منها المساعدة لعمل وظائف خاصة وليست جماعية.

في الحالة الأولى سيبقى تعاون الموظف مع زملائه ضمن الحدود المقبولة والإيجابية، لكن في الحالة الثانية سيبدأ الموظف بالشعور بالإرهاق والاستنزاف، زيادة تعاون الموظفة مع الآخرين انعكست بآثار سلبية عليها وعلى فريق العمل.

توصل الباحثون أخيراً إلى أن التعاون سيبقى إيجابياً طالما لا تزيد نسبة طلب المساعدة خارج نطاق العمل الجماعي عن 25% من عدد الأشخاص في شبكة العلاقات (يمكن تسمية هذه النسبة: نسبة المساعدة المثالية)، باختصار، إذا كان لدى الموظف 100 شخص في شبكة علاقاته، عليه أن لا يقدم المساعدة لأكثر من 25 شخصاً منهم، ولضمان القيام بذلك، عليه -فقط- أن يلبي طلبات المساعدة التي يستشعر أن الطرف الآخر يحتاجها فعلاً.

حلول مقترحة

هناك العديد من التدابير التي يمكن اجراءها للحد من تفاقم المشكلة، منها:

التشجيع على تغيير السلوك

أول خطوات حل المشكلة هو تحديدها بدقة، وتحديد الأطراف المعنيين بها، ومن ثم يلزم العمل على تغيير السلوكيات التي أدت إلى المشكلة بدايةً، في حالة الإجهاد بسبب التَّعاون الزائد يمكن العمل على تغيير السلوك لكل من المتعاون وطالب المساعدة.

تغيير سلوك المُتعاون

سلوك التعاون بحد ذاته سلوك إيجابي ويجب تشجيع الجميع عليه، لكن إذا كان تعاون الموظف بشكلٍ زائد عن قدرته سيؤثر على أداءه المؤسسي أو –أسوء من ذلك- سيؤثر على راحته النفسية ورضاه عن العمل، يجب حينها حثِّه على تغيير سلوكياته للمحافظة على اتزانه الصحي والنفسي.

بدايةً يجب على المتعاون أن يضع حدوداً واضحة لنفسه وللآخرين، بما يتعلق بنوع المساعدة التي يستطيع تقديمها كماً ونوعاً، بحيث لا تستهلك جُلَّ وقته.

من المهم أيضأً أن يوجه القادة في المؤسسة الموظفين المتعاونين إلى رفض تقديم المساعدة في بعض الأحيان، أو حثهم على تخصيص وقت محدد لتقديم المساعدة والعون.

التعاون سلوك إيجابي يجب التشجيع عليه، لكن ضمن حدوده المناسبة. المصدر:Pixabay

تغيير سلوك طالبي العون

يجب إرشاد الموظفين إلى طلب المساعدة في الموارد المعلوماتية والاجتماعية أكثر من الموارد الشخصية (بدلاً من أن تعطيني سمكة علمني كيف أصطاد)، والحرص على عدم طلب المساعدة إلا حين الحاجة إليها.

مصادر التعلم متوفرة ومتاحة في معظم المؤسسات ولا تتطلب في كثير من الأحيان إلا جهداً شخصياً من الموظف دون طلب المساعدة من غيره، بإمكان المؤسسة أيضاً استحداث قسم خاص لتقديم المساعدة لمن يحتاجها أو تطوير أقسام التدريب والتطوير.

مكافأة المساهمات الفعالة

تلجأ المؤسسات في كثير من الأحيان إلى مكافأة أصحاب الأرقام الأفضل بشكل فردي، في نفس الوقت فإنها تشجع على عمل الفريق والتعاون، هذا التناقض سيؤدي إلى سعي الموظفين أن يُكافئوا بدلاً من تقديم المساعدة للآخرين.

في كثير من الأحيان لا يكون أداء المتعاونين من الأفضل في المؤسسة، لأن جهودهم مبذولة لمساعدة الآخرين على حسابهم الشخصي، عندما قام الباحثون سابقوا الذكر بعمل تحليل لهيكل المؤسسة لمعرفة أكثر الموظفين تعاوناً، تفاجأ كثير من المدراء بنصف الأسماء المذكورة في القائمة.

لذلك يجب التركيز على مكافأة المتعاونين، والأفضل من ذلك مكافأة من يوازن بين تحقيق كلا الأمرين، تحقيق أرقام جيدة، وتقديم العون للآخرين.

خاتمة

قد تكون مساعدة الآخرين على التطور والنجاح من أهم الإنجازات التي ستفعلها في حياتك، الأشخاص الذين يقدمون المساعدة للآخرين بصدر رحب قد لا يكونون كثرة في المؤسسة أو في مكان العمل، لذلك يجب الحرص على المحافظة على أدائهم والأهم من ذلك المحافظة على رضاهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.

المصدر

حمل التعاون الزائد، روب كروس، ريب ريبلي، آدم غرانت، مراجعات هارفرد للأعمال، تم استرجاع المقال بتاريخ 21/12/2020

اترك تعليقاً