يهودا القلعي

  أعلام لا توجد تعليقات

ولد عام 1798م وتوفي عام 1878م، وهو حاخام ورائد من رواد الفكر الصهيوني. وُلد في سيراييفو (في البوسنة والهرسك) والتي كانت جزءاً من الدولة العثمانية آنذاك، وفيْ وقت كانت فيه شبه جزيرة البلقان تمور بالصراعات القومية الحادة بين الصرب والبلغار والرومانيين .وكانت يوغسلافيا تُعَدُ النقطة الي يلتقي فيها السفارد بالإشكناز، وتقع داخل الدولة العثمانية على مقربة من الإمبراطورية النمساوية وكلتاهما كانت إمبراطوريات تتعدد فيها الجماعات الإثنية والدينية.

يهوذا القلعي (الكَلاي)

عمل حاخاماً للسفارد في ريمون، وكان متأثراً منذ صباه بالنزعات الصوفية القبّالية، فكان من المؤمنين بأن عام 1840م وهو عام مؤتمر لندن الذي وضع حداً لآمال محمد علي في الاستقلال، سيكون بداية الخلاص المشيحاني. ولكن النبوءة لم تتحقق، فاضطر إلى أن يُعدّل من موقفه من فكرة الماشيّح – عودة المسيح المنتظر حسب ادعاءاتهم.

ولا تتسم كتابات القلعي بالتماسك أو التحدد أو التبلور، فقد كان يكتب بالعبرية التقليدية؛ وهي لغة شديدة الجمود، كما أن إطاره الفكري كان تقليدياً إلى أقصى حد. ومع هذا، فإن كتاباته هذه تشكل جزءاً من التراث الفكري الصهيوني في مرحلته الجنينية.

إن نقطة انطلاقه، شأنه شأن كل الصهاينة الإثنيين الدينيين، هي رؤية حلولية عضوية تجعل الإله يحل في الشعب والأرض ومؤسساته القومية بحيث يصبح هو مصدر التماسك العضوي بينهما. فاليهرد لا يليق يهم أن يُلقبوا “يسرائيل” إلا إذا كانوا ف أرض “يسرائيل” وبذلك تكون الرؤية الحلولية قد اقترنت بفكرة القومية العضوية السائدة في أوروبا خارج إنجلترا وفرنسا.

لهذا، لم يجد القلعي صعوبة كبيرة في المزاوجة بين الرؤية العضوية العلمانية والرؤية الحلولية الدينية. يذهب القلعي إلى أن اليهود يجب أن يتدخلوا بأنفسهم في مسار الأحداث بدلا من انتظار عودة الماشيّح – المسيح المنتظر؛ ويقوموا بتحديد الطريقة المناسبة للعودة وزمانها. واستناداً إلى بعض النصوص الحلولية وطرق التأويل المختلفة مثل الجماتريا، يقول القلعي إنه كخطوة أولى “يجب أن نعمل على إعادة اثنين وعشرين ألفاً إلى الأرض المقدّسة. فهذه تهيئة ضرورية لحلول دلالات أخرى”. فالخلاص لايمكن أن يتم فجأة، والأرض يجب أن تُبنَى وتُعَدٌ وتُجَهّز بالتدريج.

وحتى يُضفي شرعيةً على رؤيته الجديدة، فإنه يشير إلى عقيدة الماشيّح الأول (المسيح بن يوسف) الذي سيشترك في حرب يأجوج ومأجوج وسيحاول تحرير أرض يسرائيل من الكفرة ولكنه سيَسقُط في المعركة، وبعد هذا سيأتي الماشيّح الثاني والنهائي (المسيح بن داود). وهو يفسر وجود الماشيّح الأول بأنه يعني ضرورة أن يسبق العصر المشيحاني النهائي إعداد دنيوي إنساني. ثم يضيف أنه يجب النظر لرؤية الماشيّح بن داود على أنها مجاز، فهي عملية ستأخذ في الأزمنة الحديثة شكل قيادة سياسية، ولذا سيبدأ الخلاص باليهود أنفسهم، هؤلاء الذين يجب أن يملكوا زمام أمورهم بأنفسهم ويُعجّلوا بالنهاية (وهذا الموقف يُعَدُ من المنظور الحاخامي التقليدي شكلاً من أشكال الهرطقة والتجديف)

وعملية تغيير متتالية الخلاص التقليدية (الماشيّح العودة الخلاص) إلى متتالية جديدة، (العودة للإعداد لوصول الماشيّح الخلاص) هي الطريقة التي لجأت إليها الصهيونية الإثنية الدينية لصهينة أو تحديث اليهودية، ومن ثم أصبح بإمكان الصهاينة الملحدين أن يُسمُوا أنفسهم يهودا إذ أنهم يشاركون في عملية الاستيطان الصهيوني التي أصبحت عملية
دينية هدفها الإعداد لمقدم الماشيّح .

وقد توصّل القلعي لفكرة الصهيونيتين، فبيّن أن بعض اليهود الفقراء سيهاجرون إلى فلسطين (صهيونية استيطانية) وسيبقى يهود عديدون في الخارج في أرض الشتات بعض الوقت “لمساعدة المستوطنين الأوائل في فلسطين”: أي أنه قام بتقسيم يهود العالم حسب الدور الذي سيلعبونه في الحركة الصهيونية. كما أنه تَوصّل إلى أهمية إدخال الصيغة الإثنية
على الصيغة الصهيونية. ويواكب ذلك بعث اللغة العبرية، فكل جالية يهودية تتكلم لغة تختلف عن الأخرى ولكل منها عادات مختلفة. وهو يرى أن العبرية يحب أن تكون أساس عملنا التعليمي .بمعين أنا ستكون لغة الدنيا لا لغة الدين كما كان يصر المتدينون.

ثم يقترح القلعي تعيين مجلس من الوجهاء أو الحكماء يأخذ شكل مجلس يهودي عالمي أو منظمة يهودية عالمية للإشراف على عملية الهجرة وللحصول على تصريح من السلطان العثماني. ويقترح أيضاً تنظيم شركة على غرار شركات التأمين وشركات السكك الحديدية لاستئجار فلسطين من السلطان. ولا شك في أن هذه الشركة، بعد أن يعاد تسمية فلسطين باسم «إسرائيل» ستثير حماس يهود العالم فيساعدون هذه الشركة بكل وسيلة .

وبعد إدراك ضرورة الحصول على التأييد المالي والسياسي لمشروعه؛ سافر القلعي إلى العواصم الأوروبية (1851 – 1852) ووجّه النداءات إلى كبار المموّلين اليهود أمثال مونتفيوري وأدولف كرييه، ونشر في لندن كتيباً يحمل أفكاره وأسس فيها أيضاً جمعيةً استيطانيةً لم تُعمّر طويلاً.

والتحق القلعي بجمعية استيطان فلسطين التي أسّسها لورج في المانيا وقام بنشاط بارز في صفوفها. وفي عام 1871م زار فلسطين وأسّس هناك جمعية استيطانية ما لبثت أن توقفت. ثم استقر نهائياً في فلسطين عام 1874م. وقد قام بعض أتباعه بعد وفاته مباشرةً بشراء أرض بتاح تكفا حيث أقيمت أول مستعمرة يهودية زراعية في فلسطين. ويُلاحَظ أن القلعي تَوصّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وإلى معظم الديباجات الإثنية الدينية والعلمانية، ولكن فكره لم يكن جدياً بقدر كاف، فلم يكتشف حتمية الاستعانة بالإميريالية الغربية لوضع الفكرة الصهيونية موضع التنفيذ، ولذا، فقد تحرّك داخل نطاق الجماعات اليهودية وحسب، كما توجّه إلى أثرياء اليهود وبعض الساسة اليهود في الغرب.

المراجع

موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية – الدكتور عبد الوهاب المسيري -المجلد 6 ص450

اترك تعليقاً