وليَم هرشِل

  أعلام لا توجد تعليقات

ولادته

ولد وليم هرشل في هانوفر، ألمانيا، في 15 تشرين الأول/ أكتوبر سنة ١٧٣٨ ، وكان أحد أربعة أبناء العائلة مؤلفة من عشرة أولاد. وكان والده، إسحاق هرشل، موسيقياً يعزف على آلة الأوبوي فى الجوقة الملكية. وعندما ساءت صحته في خلال حرب السبع سنوات أخذ يكتسب معيشته عن طريق إعطاء دروس خصوصية في بيته.

وكان في هانوفر حصن عسكري يضم مدرسة يقصدها أولاد أسرة هرشل فيدرسون فيها الفرنسية والإنجليزية، بالإضافة إلى المواضيع العادية. أما بعد المدرسة فكان والدهم يلقنهم فن الموسيقى. وتعلم وليم الفرنسية والإنجليزية بسرعة كما أنه درس اللاتينية والحساب. وقد بلغ ولعه بالمطالعة حداً أخذ يثير الظنون والمخاوف في قلب والدته وهي التي لم تتلقى حتى الكتابة، الأمر الذي جعلها ترتاب من أية دلائل تنم عن نمو القوى الفكرية لدى أولادها.

وليام هيرشيل مكتشف كوكب أورانوس

لقد أفلحت السيدة هرشل في منع بناتها من تعلم الفرنسية والرسم، غير أن مساعيها كانت أقل نجاحاً لدى وليم. وأما كارولين، الابنة الثامنة، والتي كانت تصغر وليم باثنتي عشر عاماً، فقد كانت تنظر إلى أخيها كنابغة من النوابغ.

وكان وليم وأخوه ألكسندر يعزفان في جوقة البلاط وأحياناً يقومان بتقديم حفلات موسيقية فردية، فيعزف ألكسندر على الكمان (التشيلو) ويعزف وليم على البيانو. وكثيراً ما كان الشقيقان بعد هذه الحفلات الموسيقية يعودان إلى البيت فيشرعان بالتحدث عن الموسيقى أو العلوم حتى ساعة متأخرة من الليل – وأحياناً إلى مطلع الفجر – فينضم والدهما إلى أحاديثهما بكل اندفاع وحماسة. وكانت أصواتهم تشع حماسة ونشوة في أثناء أحاديث منتصف الليل هذه حتى أن كارولين كثيراً ما كانت تحاول أن تبقى متيقظة كي تسمع ما يقولون. عندما كانوا يتطرقون إلى العلم كان جدلهم يرتفع ويحتد، فتسمعهم يتراشقون بملء أصواتهم أسماء العلماء الكبار أمثال نيوتن وأويلر. ثم تأتي السيدة هرشل فتضع حداً للجدل وتقطع عليهم حبل الحديث محتجة بأن أصواتهم العالية مزعجة للأولاد الأصغر سناً، الذين يتوجب عليهم أن يكونوا داخل المدرسة في الساعة السابعة صباحاً.

وعندما كان ينسحب وليم وألكسندر إلى غرفتهما، حيث كانا يأويان إلى فراش واحد يشتركان فيه فيستأنفان الحديث – أو هذا ما كان يفعله وليم على الأقل ، إذ كان لا يزال لديه الكثير ليقوله، وكثيراً ما كان يتوقف عن الكلام برهة ليحظى من سامعه بكلمة موافقة أو جواب، فيجده قد استسلم للنوم. وتستطرد كارولين قائلة: وإني لأحسب أن نفسه كانت تساوره بالنوم في تلك اللحظة فقط.

وكان لدى السيد هرشل اهتمام بعلم الفلك. فقد أخذت ذات مرة كارولين في أثناء الليل كي ترى نجماً مذنباً كان ظاهراً للعين المجردة في ذلك الحين وقد تلكأ قليلاً خارج البيت ليبين لها المجموعات النجمية. وكان يحب مساعدة وليم في مشاريعه وتجاربه. وقد تعاونا على صنع كرة صغيرة حفر وليم عليها مدار الشمس الظاهري وخط الاستواء.

وقد بلغ اهتمام وليم بالعلوم حداً كبيراً حتى أن أخته حسبته قادراً على القيام باكتشافات ذات بال، وهو لا يزال غض الإهاب. غير أن الوقت اللازم لدراساته كان من الأشياء التي لم تكن لتتوفر له، إذ لم يكن لدى أسرته سوى النذر اليسير من المال وكان عليه أن يعيل نفسه.

قضى وليم مدة من الزمن في الخدمة العسكرية ملتحقاً بمشاة الحرس الهانوفري. ولما بلغ السابعة عشرة من العمر، أوفدت فصيلة الحرس إلى إنجلترا لمدة سنة فصحبهم وعثر هنالك على كتاب جون لوك العظيم الشأن الرسالة في الإدراك البشري»، الذي يحاول فيه أن يدلل على أن العقل، لا الإيمان، «هو الذي ينبغي أن يكون حكمنا الأخير ومرشدنا النهائي في كل شيء».

وعندما قفل وليم راجعاً إلى هانوفر استحضر معه نسخة من كتاب لوك. ولم يمض وقت طويل عليه حتى ترك الحرس بسبب حاله الصحية وقرر العودة إلى إنجلتر حيث عقد النية على كسب معيشته.

عمله

حين قصد وليم إنجلترا للمرة الثانية كان قد بلغ التاسعة عشرة من العمر. ولا يعرف الكثير عن حياته في إنجلترا في خلال السنوات الثلاث التالية سوى أنه كان يشترك في العزف في بعض الحفلات الموسيقية وفي جوقات الجيش. ولم تكن ثمة دلائل في ذلك الحين تشير إلى أنه سيصبح يوماً ما فلكياً مرموقاً.

ولما بلغ الرابعة والعشرين من عمره وجد وظيفة دائمة كعازف على الأرغن في كنيسة الأكتاجون في بلدة باث وهي مشتى إنجليزي معروف كان يقصده الناس للاستجمام والترفية. ولما كانت تلك الوظيفة غير كافية لسد حاجاته عمد إلى إعطاء دروس في الموسيقى. وعلى الرغم من أنه كان يقضي أربع عشرة أو ست عشرة ساعة يومياً مع طلابه إلا أنه كان يجد الوقت لتأليف مقطوعات موسيقية لجوقة كاتدرائية الإنشادية. فإذا ما سنحت له لحظات فراغ قضاها في دراسة اليونانية والإيطالية. وأما قبل النوم فكان يروح عن نفسه بمطالعته كتباً في حساب التفاضل والتكامل والبصريات والفلك.

وفي سنة 1767 توفي والد وليم وانصرفت كارولين إلى مهنة الخياطة. وكان وليم يرغب في أن تأتي إلى إنجلترا كي تعيش معه، فكتب إليها عارضاً عليها إعطاءها دروساً فى الإنشاد. فإذا كان صوتها ذا قابلية وقدّر له أن يتطور تطوراً حسناً فسيتسنى لها أن تنشد في جوقة الكنيسة.

ولكن كارولين لم تلب دعوته إلى إنجلترا. فاضطر في النهاية عام 1772 إلى العودة إلى ألمانيا لإحضارها . وعادت إلى باث معه وباشرت فى أخذ دروس الإنشاد كما أنها درست بالإضافة إلى ذلك الحساب وشيئاً من المحاسبة كي تستطيع إدارة منزل وليم بدقة وإتقان. وكان ألكسندر كذلك يقطن منزل وليم إذ كان قد سبقها إلى إنجلترا من قبل فشاركت كارولين ألكسندر غرفته العلوية الصغيرة.

وسرعان ما اتضح لكارولين أنها بدلاً من أن تُدرب على الإنشاد أخذت تُدرب كمساعدة العالم في الفلك. وأخذت الأيام تتعاقب وهي ترتقب دورس الإنشاد، من دون جدوى ، فلقد كان وليم منهمكاً في تلقين نفسه دروساً في الفلك . وفي خلال الربيع حين كان قدوم المنتجعين إلى باث يخف ويقل بالتالي عدد طلاب وليم ، ظنت كارولين أنه سيتوفر لدى أخيها بعض الوقت ليتفرغ لها . غير أن شيئاً من هذا لم يكن فإن وليم، وقد أضناه كد فصل الشتاء المرهق، كان يقضي الكثير من وقته في فراشه محاطاً بكتب الفلك، «فيستسلم للنوم تحت أكداس كتب مؤلفيه المفضلين، كان أول ما يتبادر إلى ذهنه لدى نهوضه هو كيفية الحصول على الآلات التي ستمكنه من رؤية الأجرام هذه التي طالع عنها».

ولم يكن في مقدور هرشل ابتياع تلسكوب، إلا أنه استطاع العثور على واحد طوله قدمان ونصف باستئجاره. وكان يقضي وقته في رصد النجوم أو في تفكيك أجزاء التلسكوب كي يتفهم طريقة صنعه. وما لبث أن شرع يحاول صنع تلسكوب لنفسه غير متورع عن استدعاء كارولين من تمريناتها الموسيقية “فقد كان دوماً يتطلب مساعدتي لإنجاز شتى الأمور”. وساعدته كارولين في صنع أنبوب من ورق مقوى (طوله ثمانية عشر أو عشرون قدماً)، ثبت في داخله عدسات التلسكوب التي اضطر أن يرسل في طلبها من لندن. وقد فشلت تلك العملية، إذ كان أنبوب الورق الموقى ليّناً أكثر ما ينبغي، الأمر الذي جعل إبقاءه على خط مستقيم متعذراً.

وحل هرشل المشكلة المستعصية باستبدال الورق المقوى بالصفائح التنك. وما لبث المنزل بأجمعه أن تحول إلى ورشة. ففي غرفة الجلوس الأنيقة الفرش انصرف نجار إلى صنع الأنابيب والركائز، بينما كان ألكسندر يُشغل آلة ضخمة لشحذ العدسات ولصنع قطع بصرية وأجزاء تلسكوبية أخرى.

وكان ثمة هدف واحد في حياة هرشل لا يقبل التبديل وهو دراسة الفلك ، وما كان شيء قط ليثنيه عن ذلك الهدف، ولما تعذر عليه شراء التلسكوب بسبب ضيقه المالي عمد إلى صنعه. وحين عاقه ضيق وقته عن قراءة الكتب في أثناء النهار كان يختصر ساعات نومه لتحقيق هذه الغاية. وحين أعوزته فرص التثقيف، ثقف نفسه بنفسه.

وما أن حلت سنة 1774 حتى كان هرشل قد اكتسب مهارة ميكانيكية ومعرفة بالتلسكوبات لا يستهان بها. فركب تلسكوباً جريجورياً طوله خمسة أقدام ونصف (وفي هذا النموذج تكون عين المراقب على خط مستقيم مع التلسكوب والنجوم). وبعد ذلك بسنة واحدة صنع تلسكوباً نيوتونياً (حيث تكون عين المراقب عمودية على الخط الواصل بين التلسكوب والنجوم). وكان للأداة الأخيرة فتحة تبلغ الأربع بوصات والنصف وتستطيع التكبير 222 ضعفاً.

أصبح هرشل الآن كامل التجهيز للقيام بدراسة جدية للفلك، ولكن كان ينقصه الوقت اللازم. فكان لا يزال مضطراً إلى إعطاء الدروس الخصوصية لإعالة نفسه. أضف إلى ذلك أنه كان قد أصبح مديراً لفرقة موسيقية مؤلفة من مئة عازف كانت تقدم الحفلات في أحد المسارح. وتقول الرواية أنه ما أن كان ينتهي مشهد من مشاهد الحفلة حتى كان ينهض وليم من مقعده أمام البيانو ويندفع خارج الصالة الرصد النجوم.

وفي ذلك الحين كان هرشل دائباً على صنع تلسكوب عاكس طوله سبعة أقدام ثم صنع آخر طوله عشرة أقدام. وكانت هذه تصنع باليد إذ أن الآلات اللازمة لم تستنبط إلا بعد عشرة سنوات من ذلك التاريخ. واستمر أخوه ألكسندر في مساعدته كما أن وقت كارولين كما تقول، كان «يصرف على نسخ الموسيقى والتمرن عليها، بالإضافة إلى القيام بخدمة أخي وهو منهمك في عمليات الصقل، فلكي أبقيه على قيد الحياة ألقيت نفسي مضطرة إلى دفع القلم الأكل داخل فمه. وهكذا حدث ذات مرة حين لم تترك يداه مرآة طولها سبعة أقدام طيلة ست عشرة ساعة، إذ كان مصمماً على إتمامها. وبصورة عامة يمكنني القول بأنه ما تناول قط وجبات طعامه من دون عمل، بل كان دوماً يصمم أو يستنبط أو يرسم أو يقوم بأي شيء يخطر على باله في ذلك الحين. وعموماً كنت أضطر إلى أن أقرأ له، وهو منصرف إلى تشغيل المخرطة أو صقل المرايا، كتباً أدبية أمثال دون كيشوت وألف ليلة وليلة وروايات سترن وفيلدنج وغير ذلك، ومن ثم أقوم لتقديم الشاي أو وجبة العشاء من دون توقيف العمل الذي كان منصرفاً إليه».

دراسته الفلك

أما هرشل الذي كان قد بلغ الآن الأربعين من عمره فقد شرع بدرس كل نجم مرئي من الجرم الأول والثاني والثالث والرابع، كما أنه رصد القمر وقاس ارتفاع جباله. وأخذ عمله يستلفت الأنظار. فقرىء اثنان من منشوراته، أحدهما عن النجم الدوري في كولوشيتي والآخر عن جبال القمر، في أثناء اجتماع للجمعية الملكية، كما أن هرشل أصبح عضواً في جمعية باث الفلسفية.

أن هرشل أصبح عضواً في جمعية باث الفلسفية.. وفي منشور كتبه وهو في الثانية والأربعين قال: «شرعت بصنع عاكس هوائي طوله ثلاثون قدماً، وبعد أن انتهيت من صنع ركيزة له قمت بصب مرآة قطرها ست وثلاثون بوصة ولكن هذه تصدعت وهى تبرد. فأعدت الكرة وصببتها ثانية فانفجر الفرن الذي كنت بيته في بيتي. وكانت ليلة الثلاثاء في الثالث عشر من آذار/ مارس: «بينما كنت أرصد النجوم الصغيرة المجاورة له. جر مينوروم تبينت نجماً واحداً يبدو أكبر جرماً من غيره بكثير، ولما لفت نظري ذلك المظهر غير المعتاد، قارنته ب. هـ. جرمينوروم وكذلك بالنجم الصغير في الرقعة الواقعة بين أوريغا وجمينى، فوجدته يفوق كليهما قدراً وعندها اشتبهت فى احتمال كونه مذنباً. ولقد حسب مدار هذا المذنب، فوجد أن بعده عن الشمس يبلغ 1800 مليون ميل.

وما لبث أن أذيع على الملأ خبر اكتشاف كوكب جديد – وكان ذلك أعظم اكتشاف فلكي منذ سلط غاليليو تلسكوبه على الأجرام السماوية. وذاع صيث هرشل بين ليلة وضحاها. (ليس أدل على جهل العالم لشخص هرشل من الأخطاء التي وردت في الصحف لدى ذكر اسمه. فقد دعته إحدى الصحف مرشل وأخرى هرثل وثالثة هرمستل). وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر من السنة نفسها، ١٧٨١، انتخب عضواً في الجمعية الملكية، وهي أرفع جمعية علمية في إنجلترا، كما منح وسام كوبلي الذهبي. وأطلق على الكوكب الجديد اسم جورجيوم سيدوس على شرف جورج الثالث ، عاهل إنجلترا في ذلك الحين ، إلا أن الاسم استبدل بأورانوس على اسم أورانيا، ربة الفلك. وبعد ذلك بسنتين اكتشف هرشل قمرين من أقمار أورانو، تيتانيا وأوبرون.

واصل هرشل عمله بكل حماسة، فأقام في حديقته ركيزة لتلسكوبه البالغ اثنين وعشرين قدماً وأتقن صنع المرأة التي توجب صبها في فرن. وكلما تسنت له لحظة بين درس الموسيقى أو كلما استطاع أن يفلت من أحد تلامذته كان يذهب «ليدقق في سير عمل الرجال في بنائهم الفرن الذي كانوا يقيمونه في غرفة على استقامة مع أرض الحديقة . . . ولم تكن المرأة للعاكس الذي يبلغ طوله ثلاثين قدماً لتغرب عن باله قط».

وفي السنة التالية، أي سنة 1782، قام هرشل بزيارة إلى لندن، حيث حظي بمقابلة جورج الثالث. وكتب من لندن إلى أخته عن نجاحه فقال:

عزيزتي لينا، إن جميع أبحاثي تحت الطبع، بملحقاتها جميعاً، كما اعترف بأنها عظيمة القيمة. ترين يا لينا أنني أقول جميع هذه الأشياء، وأنت تعرفين جيداً أن الغرور ليس من عيوبي، ولذا فإنني لا أخشى أن ينالني منك اللوم. وداعاً.

المحب أخوك وليم هرشل وكتب ثانية:

إننى أقضى أوقاتى متنقلاً بين جرينتشن ولندن، وتلك الأوقات ممتعة لا بأس بها، إلا أنني أفتقد العمل الذي أتوق إليه. وأن مؤانسة الناس ومعاشرتهم ليسا من الأشياء التي تبعث السرور دوماً في النفس . . . ولأني لأؤثر كثيراً على ذلك كله أن أكون منصرفاً إلى صقل مرآة… إنني أتقدّم لارفع المجتمعات والشخصيات. ففي الغد سأتناول الغذاء عند بالمرستون وفي اليوم التالي مع السير جوزيف بانكس وهكذا. وليس هناك من حديث الآن في أوساط علماء البصريات والفلكيين سوى ما يسمونه باكتشافاتي الباهرة. فواأسفاه! ما أشد تخلفهم حين تعد التوافه التي شاهدتها وقامت بها أمراً عظيماً. دعيني أعود إليها ثانية الأصنعن تلسكوبات عظيمة ولأشاهدنا أشياء رائعة – أو بالأحرى ؛ سأحاول القيام بذلك.

ونصب جورج الثالث هرشل فلكياً للتاج، معيناً له راتباً سنوياً قدره ألف دولار. فأصبح هرشل الآن غير مضطر إلى الاعتماد على موهبته الموسيقية لكسب معيشته وصار بمقدوره تكريس جميع وقته وجهوده للفلك ، وعاد إلى باث كي يودع طلابه وكي يعزف في الكنيسة للمرة الأخيرة. ثم انتقل إلى داتشت حيث نصب تلسكوبه وشرع يقوم بمعاينة الأفلاك ومسحها بطريقة منتظمة.

وكان يحصي كل نجم ظاهر في حقل ما، حتىأضحى مجموع ما عاينه 683 حقلاً. وأدت به مشاهداته إلى الاستنتاج بأن شكل مجرتنا يشبه شكل حجر المسنّ، وتلك كانت أول دراسة من نوعها، وعلى الرغم من أن دراسات مماثلة عديدة قد أجريت منذ ذلك الحين بوساطة تلسكوبات تفوق تلسكوب هرشل قوة وضخامة إلا أن الشكل الذي اكتشفه لمجرتنا لا يزال في جوهره صحيحاً.

وكان هرشل يشتغل في حديقته. وكثيراً ما كانت درجة الحرارة تنخفض إلى الدرجة الثالثة عشرة. وإذا كان الجو صافياً لازم التلسكوب طول الليل، متجاهلاً درجة الحرارة، فلا يدخل إلى البيت غير بضع دقائق كل ثلاث أو أربع ساعات. وظل يتابع هذا النهج عدة سنوات، عاملاً دوماً خارج البيت إذ أن تلسكوبه كان لا يؤدي عمله على أحسن وجه ما لم تكن درجة حرارته تعادل درجة حرارة الجر.

وباشر هرشل تخطيطاته الفلكية فور انتقاله إلى داتشت، من دون أن ينتظر تثبيت تلسكوبه تثبيتاً متيناً. وأخذت كارولين تراقبه وهو يعمل على علو خمسة عشر قدماً فوق الأرض، واقفاً على لوح موقت ومرتكزاً على سلالم متنقصها الروابط في أسفلها، وذات ليلة هبت ريح قوية، فما أن وطيء وليم الأرض حتى انهار الجهاز بأكمله». وتضيف كارولين قائلة بأن “في وسعها تقديم قائمة حوادث طويلة كانت على قاب قوسين أو أدنى من نهايات مفجعة لي ولأخي».

وعلق شخص آخر كان يراقب هرشل وهو ملازم تلسكوبه في الحديقة القارسة البرد قائلا: “إنه ينعم بقوة بدنية ممتازة ولا يجول في ذهنه شيء ما في العالم سوى الأجرام السماوية».

على الرغم من أن الأجرام السماوية كانت قد استحوذت على جميع حواسه ومشاعره، إلا أنه وجد الوقت للتفكير بأمور أخرى. ففي الثامن من أيار/ مايو سنة ١٧٨٣ حين كام عمره يبلغ الأربع والأربعين، تزوج من أرملة جون بت الميسورة الحال. وعندما دخلت زوجة وليم الجديدة بيته، خرجت كارولين منه. ولقد عاشت كارولين عشرين سنة على منأى من ذلك الأخ الذي أحبته حباً جماً، إلا أنها كانت تقوم بزيارته يومياً لتساعده في عمله. وفي بعض الأحيان، حين كانت زوجة هرشل تغادر البيت، كانت كارولين تمكث مع وليم بضعة أيام ولكنها كانت تعود دوماً إلى مسكنها عند قدوم السيدة هرشل، وعلى مر الأيام تقبلت كارولين زوجة وليم وفتحت لها قلبها، وفي إحدى رسائلها دعتها «أختي العزيزة، إذ هكذا أعرفك الآن». وعقب الزواج بتسع سنوات أنجبت أسرة هرشل ولداً. فأطلقوا عليه اسم جون وشب فأصبح بدوره فلكياً مبرزاً. وكان معبود كارولين.

وشرع هرشل سنة ١٧٨٥ ببناء تلسكوبه العظيم البالغ أربعة وأربعين قدماً. وكان جورج الثالث قد منحه عشرين ألف دولار لتمويل هذا المشروع وكذلك ألف دولار سنوياً لمصروفات التلسكوب الجارية. وقد استغرق بناء التلسكوب سنتين كاملتين ، وقد بلغ من الضخامة بحيث يستطيع رجل السير في داخله. وفي تلك الأثناء انتقلت أسرة هرشل إلى بلدة سلو على مقربة من وندسور، فنقل معهم التلسكوب الذي لم يكن وليم قد أتم صنعه بعد. ثم استمرت عمليات البناء وقد وصفها هرشل هكذا :

«لم يستخدم لجميع أجزاء الجهاز سوى عمال عاديين، إذ قمت برسم كل جزء من أجزائه ما جعل إنجاز العمل سهلاً ميسوراً، ولا سيما أنني كنت أتفقد عمل كل عامل وأوجهه، على الرغم من وجود ما لا يقل عن أربعين عاملاً أحياناً في آن. وفي الوقت نفسه الذي كان يجري فيه إعداد قاعدة التلسكوب، شرعت بصنع المرأة الكبيرة التي كنت أتفقد صبها وصفها وصقلها، . . . “.

وقد أدخل تحسينات في تصميم التلسكوب. فللنموذج الهرشلي مرآة أو عاكس ترسل إلى جميع أطراف العالم. وحين صنع تلسكوبه الكبير، أخذ عمله يخطو خطوات سريعة. فاكتشف قمرين لزحل : ميماس وأنسلادوس وبيّن كيف أن قمراً آخر لزحل، جابيتوس ، يدور دورة حول محوره في كل دورة يبدورها حول زحل، تماماً كما يفعل القمر حول الأرض.

وأخذ يتفرس في الشمس وفي سطحها المرجح أن يكون مركباً من الغاز، وفي كلفها، وكان أول من اشتبه بالطابع الدوري للكلف (ولم يدرك أن اتساع الكلف في الشمس يبلغ بليون ميل مربع، أي ما يعادل خمسة أضعاف مساحة الكرة الأرضية). هذا وقد تبين الأمر الذي يعرفه الفلكيون في الوقت الحاضر وهو أن تولد الحرارة غير ممكن من دون بذل الطاقة وأنه من المرجح أن تكون درجة حرارة الشمس آخذة في الانخفاض مع العلم أن ذلك سيبقى أمراً غير ملحوظ على الأرض إلا بقدر يكاد يكون معدوماً على مدى عديد من الدهور المقبلة. واستوعب كذلك ما عاناه النظام الشمسي من تحول : أي كيف أصبح في خلال قرون من الزمن تكاد لا تعد ولا تحصى ملائماً لظهور الحياة فيه ولقدوم الإنسان وكيف سيصبح في النهاية غير ملائم فيزول الإنسان عن وجه البسيطة.

وأكب هرشل على دراسة المجرة. وظن في أول الأمر أنها مؤلفة كلياً من النجوم، البالغة زهاء الثمانية عشر مليوناً، ولكنه تحول عن هذه النظرية فيما بعد، حين تبين له أن المجرة تحتوي على الكثير من المادة السديمية – مادة في طور التكاتف، كما لو أن عوالم جديدة آخذة في التكون، ربما لتصبح مساكن أقوام جديدة أو أجيال من الإنسانية مقبلة. وفي المجموع اكتشف ألفين وخمسمائة من السلم والتكتلات الجديدة.

وقد حظيت استنتاجات هرشل عن النجوم المتغيرة في قدرها باهتمام عظيم لدى نشرها، غير أن العلم لم يؤيدها بعد. لقد لاحظ أن النجم ميرا سيتي يكون غير ظاهر للعين المجردة في خلال عدة أشهر، ثم يزداد لمعانه شيئاً فشيئاً ثم يختفي ثانية منهياً بذلك دورته. واكتشف أيضاً أن نجوماً أخرى كثيرة العدد هي كذلك دورية، فانتهى رأيه إلى أن ذلك يكون نتيجة دوران النجوم حول محاورها، بحيث تظهر أجزاء مختلفة من سطحها بشكل دوري. غير أنه ليس هنالك حتى يومنا هذا تعليل مقبول للنجوم المتغيرة ببطء مثل ميرا.

وأعد هرشل ثبتاً للنجوم المزدوجة أو الثنائية وبرهن بعد إجراء عمليات حسابية مضنية على أن لأمثال هذه النجوم مركز جاذبية مشترك وأن كل نجم منها يدور حول الآخر، وكذلك استنتج على أن نظامنا الشمسي يتحرك في اتجاه نقطة وفي مجموعة النجوم المعروفة بهرقل.

وهاك حكم أحد الفلكيين على مدى ما قدمه هرشل من خدمات في حقله العلمي:

عمله هو الأساس الذي ما زال خليقاً بنا أن نبني عليه… كإبداع علمي كان عمله أسمى ما تطرق إليه الفكر البشري. أما إذا نظرنا إلى ما يمكن لفرد أن يبذل من مجهود فليس هنالك ما يوازيه قط . . . ولحسن الطالع شاءت الأقدار أن لا يكون باستطاعة أي بلد معين أن يدعيه لنفسه. حقاً أن اسمه من الأسماء القليلة التي تخص العالم بأجمعه.

وظل هرشل مواظباً على عمله بنشاطه المعهود بلغ السادسة والسبعين من عمره ، واستمرت كارولين تقف على يده وتساعده . وبنى لها تلسكوباً خاصاً بها شاهدت بواسطته ثمانية مذنبات، ومن بينها خمسة لم تكن قد شوهدت قبلاً. ولدى نشرها اكتشافاتها إعترف لها بحقها الشخصي كعالمة وحازت على عضوية شرف في جمعية الفلك الملكية.

نهاية الرحلة

وفي أواخر العقد الثامن من حياة هرشل، أخذت صحته تسوء وكثيراً ما راح يقوم برحلات قصيرة خارج سلو للاستجمام. وكانت كارولين تلزم البيت لنسخ منشوراته للجمعية الملكية. وفي عام 1816 منح رتبة فارس من فصيلة الجوقة الهانوفرية من قِبَل ولي العهد، وبعد ذلك بخمس سنوات أصبح أول رئيس لجمعية الفَلك الملكية المتشكلة حديثاً.

وحين أخذ يتقدم في العمر كانت كارولين كثيراً ما تراه حزيناً مكتبئاً. وذات يوم – وكان في الثمانين من عمره – أخذ يتأهب للقيام برحلة قصيرة إلى باث مع زوجته . وربما كان يخشى أن يقضي نحبه تاركاً أوراقه من غير تنسيق فطلب إلى كارولين أن تكتب قائمة بمخطوطاته. وتقول كارولين: “لقد قضى آخر اللحظات قبيل ركوبه العربة في التنقل بصحبتي داخل مكتبه وغرف الورشات مشيراً بنظرات تنم عن القلق والتخوف إلى كل رف ودرج، طالباً إليّ أن أتفقد جميع ما فيها وأن أضع مذكرات عن كل ما تحتوي على أحسن ما يمكنني. وكان لا يستطيع أن يحمل نفسه إلا بصعوبة بالغة. فقد بلغ به الإعياء والقنوط حداً جعلا من الصعب علي تمالك صوتي…”.

وفي يوم من أيام تموز/ يوليو، وكان هرشل في الواحدة والثمانين من العمر، بعث إلى أخته برسالة قصيرة، يقول فيها:
لينا،
هنالك مذنب عظيم. أريدك أن تأتي لمساعدتي. تعالى للغداء واقضي اليوم هنا. فإذا تمكنت من القدوم فوراً عقب الساعة الواحدة فسيكون لدينا متسع من الوقت لتهيئة الخرائط والتلسكوبات. وقد شاهدتموقعه الليلة الماضية وله ذنب طويل.

وقد كتبت كارولين على قصاصة الورق الصغيرة الصفراء هذه: «إنني أحتفظ بهذه اللذكرى”. وبعد ذلك بشهر ساءت صحة هرشل جداً. ولكنه ظل يحاول القيام بعمله ؛ وساوره القلق على سجلاته العلمية . وذات يوم ، وكان لا يستطيع مغادرة غرفته، ذهبت كارولين، كما اعتادت أن تفعل، لتراه، وحالما رآني طلب إلي الذهاب إلى المكتبة لإحضار أحدى منشوراته الأخيرة وكذلك لوحة التلسكوب ذي الأربعين قدماً. وما من شيء استطاع في تلك اللحظة أن يجعلني أنظر ثانية إلى ما كانت قد تناولته عن الرف، ولما سألني بصوت واو إذا ما كان تفكك المجرة موجوداً عليها أجبته: نعم . فظهرت عليه علامات الرضى والارتياح. ولا يسعني إلا أن أذكر هذا الحدث، إذ أنه كان آخر مرة أرسلت فيها إلى المكتبة في مثل ذلك الظرف».

وتوفي وليم هرشل في الخامس وا لعشرين من شهر آب/ أغسطس، عام 1822. وبعد أن دفن في كنيسة ابتون في وندسور، عادت كارولين إلى بيتها في ألمانيا، امرأة لم يعد لديها شيء ما تفعله في هذا العالم. عاشت عيشة بساطة مع أخيها ديتريش لا تنفق سوى نصف الخمسمائة دولار التي تركها لها وليم سنوياً، وتوفيت عندما بلغت الثامنة والتسعين من عمرها. وحسب وصيتها وضعت في نعشها خصلة من شعر أخيها.

وبعد انقضاء ثمانية عشر عاماً على وفاة وليم هرشل تآكلت الأجزاء الخشبية لتسلكوبه ذي الأربعين قدماً، فأنزلت الآلة وركزت على جانبها. وبعد الاحتفالات التذكارية سدت منافذ التلسكوب ورفع على قوائم كنصب تذكاري علمي.

وتحدث هرشل ذات مرة قائلاً من خلال هذا التلسكوب: “عبرت غور الفضاء بناظريّ فبلغت أبعاداً لم يحدث أن سبقني إليها إنسان. فقد شاهدت نجوماً يستغرق نورها مليوني سنة كي يصل إلى كرتنا الأرضية”.

المراجع

  • موسوعة مشاهير العالم الجزء الأول(في العلوم و الفكر و السياسه)

اترك تعليقاً