كيف تخلصت فرنسا من البروتستانت

  تاريخ لا توجد تعليقات

الخلفية: مذبحة سان بارتيليمي

شهدت فرنسا العديد من الحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر. أهم تلك الأحداث كانت مجزرة سان بارتيليمي. وهي مذبحة حلت بالبروتستانت بجميع انحاء فرنسا، ذبحهم الكاثوليك بأمر ملك فرنسا شارل التاسع بناءً على ايعاز والدته كاترين دي مديسي في يوم 24 أغسطس سنة 1572م واختُلف في عدد قتلى تلك المجزرة فقد قال بعض المؤرخين أن عدد القتلى وصل إلى ستين ألفاً منهم كثير من الأشراف والأميرال كوليني الشهير وغيره ويقال أن بعض الحكام امتنع عن تنفيذ هذا الأمر فنالوا السخط والعقوبة من الملك (5).

مرسوم نانت

أصدر هنري الرابع ملك فرنسا مرسوم نانت عام 1598. الذي منح المسيحيين الكالفينيين البروتستانت في فرنسا، المعروفين باسم الهاغونوت، حقوقًا كبيرة في بلد ذات أغلبية مسيحية كاثوليكية. من خلال المرسوم، كان هنري يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية. عالج المرسوم بعض مشاكل البروتستانت في المجتمع وليس كلّها، ذلك المرسوم فتح طريقًا للعلمانية في فرنسا. منح المرسوم حرية الاعتقاد العامة للأفراد ومنح أيضاً العديد من التسهيلات للبروتستانت، مثل العفو عن المدانين وإعادة حقوقهم المدنية، بما في ذلك الحق في العمل في أي مجال أو لدى الدولة وتقديم المظالم مباشرة إلى الملك. كان مرسوم نانت إيذانًا بنهاية الحروب الدينية التي عصفت بفرنسا خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر. اكتسب المرسوم أهمية جديدة عندما خَرق لويس الرابع عشر، المعروف باسم ملك الشمس، تقليد ما بعد نانت للتسامح الديني النسبي في فرنسا، وفي جهوده لمركزية السلطة الملكية بالكامل، بدأ في اضطهاد البروتستانت.

الإضطهاد الديني

أيد لويس الرابع عشر في البداية الغاليكية (1) التقليدية، التي حدَّت من السلطة البابوية في فرنسا، وعُقدت جمعية رجال الدين الفرنسيين في نوفمبر 1681. التي تم حلُّها بعد ثمانية أشهر، حيث قبلت الجمعية إعلان رجال الدين في فرنسا، مما زاد من السلطة الملكية على حساب السلطة البابوية المتمثلة بالفاتيكان في روما. حيث أعلن رجال الدين الكاثوليك الفرنسيين على أنه بدون موافقة ملكية، لا يمكن للأساقفة مغادرة فرنسا ولا يمكن تقديم الطعون إلى البابا. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن عزل المسؤولين الحكوميين عن أفعال ارتكبوها أثناء أداء واجباتهم. على الرغم من أن الملك لم يستطع إصدار قانون كنسي، إلا أن جميع اللوائح البابوية دون الموافقة الملكية كانت باطلة في فرنسا. ليس من المستغرب أن البابا رفض الإعلان.

رأى لويس الرابع عشر في استمرار البروتستانتية تذكيرًا مشينًا بالعجز الملكي. بعد كل شيء ، كان مرسوم نانت تنازلًا براغماتيًا لجده هنري الرابع لإنهاء الحروب الدينية الفرنسية الطويلة. كان العامل الإضافي في تفكير لويس هو المبدأ الأوروبي المعاصر السائد لضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي ، “cuius regio” بمعنى “عالمُه دينهُ” ، فكرة أن دين الحاكم يجب أن يكون دين الشعب الذي يحكمه ( تم تأكيد المبدأ في الأصل في وسط أوروبا في سلام أوغسبورغ عام 1555).

تأثير مدام دو مينتينون

بالرغم من وقوع لويس في غرام فرانسواز دوبين التي أصبح اسمها فيما بعد مدام دو مانتينون وحظوتها الكبيرة (تزوجها سراً بعد وفاة زوجته) وكونها ولدت لعائلة بروتستانتية وتحولت إلى الكاثوليكية حين بلغت السادسة عشرة من عمرها، إلا أنها لم تتدخل لصالح البروتستانت، بل على العكس أيدت الملك في قراراته بل أحيانا قامت بتحريضه ولم تستطع حماية أقرب الناس إليها ممن ترعرعوا معها في سن الطفولة. حاولت مدام دو مانتينون إبعاد أي شبهات قد تصل إليها حيث أنها كانت بروتستانتية. (3)

لوحة زيتية رسمت في العام 1694 لمدام دو مانتينون حيث كانت في ال59 ربيعاً من عمرها حيث ولدت في عام 1635 وتوفيت في عام 1719

سياسة التضييق والإجبار على دخول الكاثوليكية

رداً على الالتماسات، استبعد لويس في البداية البروتستانت من مناصبهم، وقيّد اجتماع المجامع الكنسية، وأغلقت الكنائس خارج المناطق المنصوص عليها في المرسوم، وحظر الوعاظ البروتستانت من الإرشاد خارج الكنائس، وحظر الهجرة البروتستانتية المحلية. كما أنه رفض الزواج المختلط بين البروتستانت والكاثوليك حيث اعترضت أطراف ثالثة، وشجع البعثات التبشيرية الكاثوليكية إلى البروتستانت، وكافأ المتحولين إلى الكاثوليكية. تبع ذلك تحوُّل قسري لكنه مطَّرد للبروتستانت، خاصة بين النُّخب النبيلة حتى لا تفقد امتيازاتها.

في عام 1681، زاد لويس بشكل كبير من اضطهاد البروتستانت. كان مبدأ الشعب على دين الحاكم يعني عادةً أن الأشخاص الذين رفضوا التحول يمكنهم الهجرة من فرنسا، لكن لويس حظر الهجرة وأصر فعليًا على أنه يجب تحويل جميع البروتستانت إلى كاثوليك. من ثمَّ ، وبناءً على اقتراح رينيه دي مارياك وماركيز لوفوا ، بدأ في إيواء الفرسان (الخيالة) في منازل البروتستانت. على الرغم من أن هذا كان ضمن حقوقه القانونية، إلا أن السياسة (المعروفة باسم دراغونيدز dragonnades وهي سياسة وجهها لويس الرابع عشر لترهيب الفرنسيين البروتستانت ليتحولوا للكاثوليكية سمحت للفرسان الخيالة بانتهاك حرمات وأملاك وأموال البروتستانت) تسببت في ضغوط مالية شديدة وانتهاكات فظيعة على البروتستانت. تم تحويل ما بين 300,000 و 400,000 من الهاغونوت إلى الكاثوليكية، حيث استلزم ذلك مكافآت مالية وإعفاء من سياسة الترهيب ومصادرة الممتلكات “دراغونيدز”.

مرسوم فونتينبلو

في 22 أكتوبر من عام 1685، أصدر لويس مرسوم فونتينبلو، الذي أكد عدم الحاجة إلى وجود امتيازات للبروتستانت نظرًا لقلَّتهم في المجتمع الفرنسي بعد تحوُّل أغلبهم إلى الكاثوليكية. حيث ألغى مرسوم فونتينبلو مرسوم نانت، وألغى جميع الامتيازات التي نشأت عنه. بموجب هذا المرسوم، لم يعد لويس يتسامح مع وجود الجماعات أو القساوسة أو الكنائس البروتستانتية في فرنسا. لن يتم بناء أي كنائس بروتستانتية جديدة، وأقر المرسوم هدم الكنائس الموجودة بالفعل. كما سمح المرسوم للرعاة البروتستانت أن يختاروا إما المنفى خارج فرنسا أو الحياة العلمانية. أولئك البروتستانت الذين قاوموا التحول للكاثوليكية كان عليهم أن يُعمَّدوا بالقوة في إحدى الكنائس.

قارن المؤرخون مرسوم فونتينبلو بمرسوم قصر الحمراء عام 1492، الذي أَمر بطرد اليهود من إسبانيا (الأندلس)، وبطرد الموريسكيين (العرب/الأمازيغ/الإسبان/البرتغاليين المسلمين) خلال الفترة 1609-1614. تتشابه المراسيم الثلاثة في جانت اندلاع التعصب الديني الأعمى الذي أنهى فترات من الإزدهار والتسامح الديني النسبي وفي آثارها الاجتماعية والاقتصادية. من الناحية العملية، تسبب المرسوم الجديد في معاناة فرنسا من هجرة الأدمغة المبكرة، حيث فقدت عددًا كبيرًا من الحرفيين المهرة. شجع بعض الحكام، مثل فريدريك فيلهلم دوق بروسيا (ألمانيا) الملقب بناخب براندنبورغ، البروتستانت على البحث عن ملجأ في دولته. يستشهد المؤرخون بهجرة حوالي 200,000 هوجونوت (حوالي ربع السكان البروتستانت ، أو 1 ٪ من السكان الفرنسيين) الذين تحدوا المراسيم الملكية. ومع ذلك ، ينظر آخرون إلى هذا على أنه مبالغة. يجادلون بأن معظم رجال الأعمال والصناعيين البروتستانت البارزين في فرنسا تحولوا إلى الكاثوليكية وبقوا فيها. شعر البروتستانت في جميع أنحاء أوروبا بالرعب من معاملة إخوانهم المؤمنين، وتضررت صورة لويس العامة في معظم أوروبا ، وخاصة في المناطق البروتستانتية. ومع ذلك ، أشاد معظم الكاثوليك في فرنسا بهذه الخطوة.

أدى إلغاء مرسوم نانت إلى خلق حالة في فرنسا مماثلة لتلك الخاصة بكل دولة أوروبية أخرى تقريبًا في تلك الفترة (باستثناء موجز لبريطانيا العظمى وربما الكومنولث البولندي الليتواني)، حيث كان دين الدولة هو دين الأغلبية وهو فقط المسموح به قانونيًا. شكل ذلك نهايةً للتسامح الديني في أوروبا في ذلك الوقت.

مرسوم فرساي

أعاد لويس السادس عشر وهو من نسل لويس الرابع عشر الحرية الدينية لفرنسا حين أصدر مرسوم فرساي في عام 1787، المعروف أيضاً باسم مرسوم التسامح. هذا أعاد لغير الكاثوليك حقوقهم المدنية وحرية العبادة علانية. بوهذا تغير شكل المجتمع الفرنسي ليصبح أكثر انفتاحاً وقبولاً للآخر ولك في وقت أصبحت الغالبة العظمى من الفرنسيين تدين بالكاثوليكية. (4)

المراجع

اترك تعليقاً