تَهويد القدس في عهد الدولة العثمانية

  ثقافة لا توجد تعليقات

تؤكد البحوث التاريخية أن اهتمام اليهود بفلسطين وبيت المقدس لا يعود إلى ظهور الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل عام 1897م، بل إنها ترجع إلى عقود سابقة من ذلك. ففي مطلع القرن التاسع عشر، بدأت مظاهر الضعف والوهن تسري في جسد الدولة العثمانية، التي كانت فلسطين إحدى الأقاليم المُهمة التابعة لها. ومع تردي وانهيار الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية، وانصراف السلاطين العثمانيين عن متابعة شؤون الحكم ووقعوعهم تكت تأثير مستشاريهم الفاسدين والمرتشين، أصبحت اهتمامات النخبة السياسية والأثرياء اليهود واضحة من خلال استغلال الظروف السياسية الدولية في ذلك الوقت إذ أن الدول الاوروبية التي تقف بالإجماع ضد الدولة العثمانية من حيث المبدأ قد قويت، وأخذت تتطلع إلى التوسع خاج حدودها، وطمعت في السيطرة على أقاليم غنية ومواقع استراتيجية تؤمن لها مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية واستراتيجية، وكانت الدولة العثمانية أولى أهدافها ومجالاً خصبا للتوسع الاستعماري فيها، وظهرت دعوات متعددة لاقتسام الأقاليم والبلاد الواسعة للدولة العثمانية بين الدول الأوروبية. وكانت تلك الدعوات تتم تحت شعارات، ومبررات مختلفة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو ديني، ومنها ما هو انسانى كالاصلاح الداخلي ونشر الحرية والعدالة والتقدم والمحافظة على الأمن في الشرق. (1)

وشهدت فترة الحكم المصري للقدس (1831 – 1840)، تزايد الاهتمام الأوروبي ببلاد الشام عامة وفلسطين خاصة. وكانت نقطة التحول البارزة في هذا الاهتمام، حين أخذت الكفة تميل لصالح الدولة العثمانية حيث حاول محمد علي باشا شق صف التحالف الدولي المناهض لاحتلاله بلاد الشام عن طريق استمالة بريطانيا القطب الرئيس في التحالف – فسمح لها بفتح قنصلية في مدينة القدس، لتكون بذلك أول قنصلية تفتح أبوابها هناك. وعكست الإجراءات والأوامر الصادرة عن محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا والهيئات الإدارية التابعة لهما في القدس المأزق الصعب الذي أخذ يعاني منه الحكم المصري في القدس. فبعد أن استجاب محمد علي باشا لمطلب القنصل البريطاني بشراء بيت للسكن متجاوزا القواعد الشرعية، ازدادت الضغوط يوماً بعد يوم من جانب قناصل الدول الأوروبية لتملك العقارات، بل تعدى بعضهم على الأراضي أو قام بشرائها وبناء البيوت ودور العبادة عليها دون الحصول على إذن مسبق من السلطة المصرية. وأسوةً بغيرهم من الطوائف، لم يلتزم اليهود بنصوص أوامر الترميم والبناء، وعندما انسحب محمد علي باشا من بلاد الشام خلّف للدولة العثمانية تركةً ثقيلةً وضعتها أمام إشكالية سياسية واقتصادية واجتماعية في منتهى الصعوبة والتعقيد. فسياسة التسامح التي انتهجتها الطوائف المسيحية واليهودية ورعايا الدول الأجنبية لا يمكن نقضها على المستويين الرسمي والشعبي، لأن ذلك من شأنه أن يثير حفيظة الدول الأوروبية التي وقفت إلى جانب الدولة العثمانية في مواجهة محمد علي باشا. ولهذا قامت بتعميم مرسوم صادر عن السلطان عبد المجيد حال الاحتلال المصري لبلاد الشام دون نشره، ينص على المساواة بين الرعايا في الحقوق والواجبات. (2)

ومع انطلاقة عجلة النشاط الثقافي والديني والاقتصادي، سارعت الدول الأوروبية إلى تعيين قناصل لها في القدس، وهو ما أدى إلى كثرة التدخل الاجنبي في شؤون مدينة القدس. وعجزت الدولة العثمانية عن وقف نشاط الإرساليات الأجنبية والقنصليات في القدس بعد عودتها لحكم بلاد الشام في العام 1840م. وليس هذا فحسب، بل حصلت الدول الأوروبية (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، وإيطاليا) على امتيازات كثيرة، كان من أبرزها التدخل في شؤون الدولة العثمانية الداخلية وفرض الوصاية على الطوائف والأقليات الدينية باعتبار أن تلك الدول تعتبر نفسها الحامي والمدافع عنها. (3) وأصبح الكثير من المسيحيين واليهود بمثابة مواطنين للدول الاجنبية بعد أن فقدت الدولة العثمانية -الإدارة والتشريع- صلاحياتها تجاههم وأصبحت هذه الحماية بحد ذاتها إحدى وسائل تلك الدول للتدخل في الشؤون الداخلية.(4) وكلما ازدادت الدولة العثمانية ضعفاً، كان يزداد تبعاً لذلك، تنافس الدول الأوروبية فيما بينها على الحصول على مكتسبات أكبر منها.

1- الوضع العام لليهود في القدس:

شأن سائر الأقليات الدينية داخل الدولة العثمانية، تمتع اليهود بقدر كبير من الاستقلال الذاتي والإداري والطائفي، واتسم الموقف الرسمي منهم بالتسامح.  فخلال الحكم العثماني، لم تُتخذ أية اجراءات رسمية تستحق الذكر تناهض اليهود كطائفة أو تميز بينهم وبين سائر السكان، في ذات الوقت لاقى العديد من اليهود في معظم الدول الاوروبية ألوانا متعددة من الإضطهاد والتنكيل والتشريد والمذابح.

فكان الحاخام باش أو الحاخام الأكبر هو ممثل اليهود في كل أمر أمام الحكومة، كما سمح لأفراد الطائفة بحرية اختيار رؤسائهم الروحيين، وفرض الضرائب، وحل الخلافات فيما بينهم، وكانت المحكمة اليهودية تحكم بينهم حسب الشريعه اليهودية. ولم يحدث أدنى تدخل بالأموال التي تجمع لمؤسساتهم الخيرية والتعليمية، وتمتعت مدارسهم الطائفية باستقلال ثقافي وذاتي.(5)

وبعد خضوع فلسطين للحكم العثماني عام 1517م، أقام اليهود في بيت المقدس علاقات متينة بينهم وبين الجاليات اليهودية الأخرى في الدولة العثمانية التي ازداد عددها بشكل ملحوظ بوصول أعداد كبيرة من اليهود بعد إقصائهم وتشريدهم من إسبانيا والبرتغال بعد عام 1492م، وتمكن القليل من هؤلاء من دخول فلسطين والإقامة في الأماكن المقدسة (القدس، وطبريا، وصفد، والخليل). كما هاجر عدد آخر من يهود بولندا وروسيا إلى فلسطين بسبب اضطهادهم هناك. وكان وصول المهاجرين اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية ومنها مدينة القدس يستقبل بعدم المبالاة وينظر إليه نظرة إنسانية، خاصة أن هؤلاء المهاجرين كانوا يأتون للإقامة من أجل العبادة، ويهربون من المذابح التي يلاقونها في بلاد أُخرى ليست من العالم الإسلامي.(6)

وهكذا ظل اليهود أقلية ضئيلة لا شأن لها في القدس حتى عام 1522م، حيث تشكلت جالية يهودية سفاردية كان عددها يترواح بين الزيادة والنُّقصان تبعاً للظروف والأحوال التي كانت تسود المدينة خاصة والدولة العثمانية عامة. ففي عام 1777م تزايد نُمودها بوصول بضع مئات من اليهود احسيديم من بولونيا (بولندا)، مما ساهم في تأسيس طائفة اشكنازية في المدينة إلى جانب الطائفة السفاردية. وقد تعزّزت هذه الجالية نتيجة هجرة مئات من يهود صفد بسبب الهزات الأرضية التي حدثث فيها خلال السنوات (1834 – 1837)، حيث يشير إحصاء أجرته الإدارة المصرية في بلاد الشام عام 1839م أن تعداد اليهود في فلسطين بلغ آنذاك (6500) نسمة نصفهم كان يقيم في القدس وحدها. (7)

وفي عهد محمد علي باشا والي مصر الذي أعلن انفصاله عن الحكم العثماني، واستيلائه على مدينة القدس وبلاد الشام في عام 1831م، تحسنت أوضاع الطوائف اليهودية في فلسطين. فقد أعفاهم من الضرائب والمغارم التي كان الباشا العثماني يفرضها على زعمائهم، وأصبح لهم تمثيل في المجالس المحلية الجديدة. كما سمح الحكم المصري لليهود بترميم كنيسهم في بيت المقدس بشرط ألا يزيدوا شيء على المباني القدمة وعدم تبليط ما حول حائط البراق، وإن كان قد سمح لهم بزيارته والصلاة فيه والبكاء على سقوط الهيكل وخرابه دون أن يترتب عن ذلك أي حق قانوني وفي مقابل مبلغ من المال يدفع سنويا لوكيل الأوقاف نظرا لأن الرصيف القائم أمام الحائط تعود ملكيته للأوقاف منذ عهد صلاح الـدين الأيوبي (8). وحين ألمت المجاعة بسكان مدينة القدس، حاول محمد علي باشا التخفيف من وطأتها، فأمر بأرسال ألف إردب من الأرز لتوزع على السكان دون تميز. وعلى الرغم من هذه التسهيلات، إلا أن محمد علي باشا كان يقظا لمخططات اليهود القادمين من الدول الأوروبية ووقف موقفا صلبا ومشرفا حين صادق على قرار مجلس الشورى في المقدس الذي رفض السماح لليهود بشراء الأملاك والأراضي الزراعية وممارسة الحراثة والفلاحة والزراعة وبيع الأغنام والأبقار في المدينة، وإن كان قد سمح لليهود بممارسة العمل بالتجارة فقط. وقد نص قرار محمد علي بأنه “لا يسمح ببيع الاراضي في القدس ونواحيها إلى اليهود الأجانب نظرا لعدم وجود مسوغ شرعي لهذا العمل”.(9)

 واستمرت أحوال وأوضاع اليهود في القدس بالتحسن بعد عودة الحكم العثماني عام 1840م حيث حصل موشي مونتيفيوري على فرمان من السلطان عبد المجيد في نهاية تشرين أول (اكتوبر) من عام 1840م، يكفل حماية اليهود واعتراف الدولة العثمانية بالحاخام السفاردي الأكبر رئيسا للطوائف اليهودية في الدولة، ومنحه صلاحية الموافقة على انتخاب حاخام سفاردي أكبر ليهود فلسطين تكون القدس مقراً له باعتباره رئيسا لكل اليهود في فلسطين، ومارس صلاحيات إدارة شؤونهم الدينية والدنيوية إضافة إلى صلاحيات واسعة في المجالين القضائي والسياسي وتنفذ الدولة العثمانية قراراته. وقد شكل هذا الفرمان ما يشبه الحكم الذاتي للجالية اليهودية في القدس وفلسطين. (10)

ونتيجة لذلك، ارتفع عدد المعابد اليهودية في القدس، فبلغت في نهاية القرن التاسع عشر ستة كنس منها اثنان لليهود الاشكنازيين وثلاثة لليهود السفارديين وآخر لجماعة اليهود القرّائين. (11)

وأدى تدفق الأعداد الكبيرة لليهود ومعظمهم من فقراء روسيا القيصرية وبولندا عام 1881م بسبب الإضطهاد الذي تعرض له اليهود هناك، وما ترتب عليه من ارتفاع تعداد الجالية اليهودية في القدس إلى (28) ألفاً في عام 1895م، إلى سوء الأحوال المعيشية. فالتمس يهود القدس من الأغنياء اليهود في أوروبا المساعدات المالية حيث كان البارون روتشليد أكثرهم سخاءً في تقديم الأموال وفي الإنفاق على تأسيس المستوطنات الزراعية. (12) وتحولت هذه التبرعات إلى نوع من الفريضة التي أطلق عليها اسم حلوكاه -أي التقسيم- وباتت 85% من الطائفة اليهودية في القدس تعيش على هذه التبرعات، ويعود ذلك إلى كون معظم أفرادها قدموا إلى القدس بهدف العيش بالقرب من الأماكن المقدسة ودراسة التوراة والتلمود حسب اعتقادهم، ولم يكن هؤلاء يقومون بأي عمل تسريعا لمجيء المسيح المنتظر حسب اعتقادهم، ولم يكن هؤلاء يقومون بأي عمل مُنتج. وقد أثرت هذه الأوضاع على العلاقات بين الطائفتين الاشكنازية والسفاردية حيث شكل كل منهما تنظيمات بحسب البلدان التي قدموا منها، وذلك لكي يستأثر كل تنظيم بمفرده بالتبرعات التي تصل من بلده الأصلي. (13)

2- الدور الأوروبي في تشجيع الهجرة اليهودية :

كانت بريطانيا من أوائل الدول الاوروبية التي اهتمت باليهود حيث نشأت فيها عدة جمعيات دينية في الربع الأول من القرن التاسع عشر تهدف إلى مساعدة اليهود في الهجرة والإستيطان في فلسطين وبيت المقدس، أشهرها جمعية التوراة (عام 1802م) وجمعية فلسطين (عام 1805م) وجمعية لندن للتبشير بالمسيحية بين اليهود (عام 1825م). وآمنت هذه الجمعيات بأن اليهود جماعة دينية مكن تنصيرها وتوطينها في فلسطين لخدمة المصالح التجارية البريطانية. وناشدت الصهيونية غير اليهودية بانشاء مستوطنات يهودية في فلسطين تمهيدا لإقامة كومنولث (Commonwealth) يهودي تحت الحماية البريطانية.(14)

ولحقت فرنسا بالمشاريع البريطانية حين أعدت خطة في عام 1798م لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين في مقابل تقديم اليهود قرضاً للحكومة الفرنسية التي كانت تعاني من أزمة مالية خانقة. ووفقا للخطة الفرنسية، أصدر نابليون بونابرت فور وصوله الاسكندرية في تموز/ يوليو 1798م نداءً حث فيه جميع اليهود في آسيا وأفريقيا على الالتفاف حول رايته “لاعادتهم” إلى القدس وإعادة بناء هيكلهم من جديد في مقابل مساعدتهم له في غزو فلسطين عبر إشعال الفتن والفوضى في المناطق التي يرتادها الجيش الفرنسي. وكرر نابليون النداء مرة أخرى أثناء حصاره لعكا في نيسان / أبريل 1799م باعتبارهم “ورثة فلسطين الشرعيين” . (15)

ويتفق المؤرخون اليهود أن نداء نابليون قد حفز الزعماء والمفكرين اليهود فيما بعد علي التفيكر في مشروع تأسيس دولة لهم في فلسطين بحماية إحدى الدول الأوروبية الكبرى. (16)

ويمكن اعتبار العام 1838م بداية الاهتمام الأوروبي الرسمي باليهود في فلسطين حيث أقامت بريطانيا قنصلية لها في القدس لرعاية مصالحها في فلسطين، ومن ضمنها ” تقديم الحماية إلى اليهود عامة”، وهو ما أصبح عملاً رئيساً للقنصلية لفترة طويلة. وقبل مرور عقد من الزمن على هذا التاريخ، كانت كل الدول الأوروبية الهامة (المانيا (1842م)، وفرنسا (١1843م)، والنمسا (1849م)، واسبانيا (1854م) وروسيا (1861م) مضافاً إليها الولايات المتحدة الأمريكية (1875م) قد أنشأت قنصليتها في القدس.

ومما يؤكد المخاطر التي ترتبت على الدور الأوروبي الجديد ما كتبته صحيفة تايمز اللندنية يوم 17 أغسطس 1840م تحت عنوان (سوريا وبعث اليهود) حيث جاء فيها “إن اقتراح توطين اليهود في بلاد أجدادهم تحت حماية الدول الخمس لم يعد الآن محل جدل بل أصبح موضع دراسة جادة”. (17)

وتسبب القناصل الأجانب في إحراج السلطات العثمانية المحلية في القدس لمداخلاتهم واتصالاتهم بطوائف السكان وإثارة الفتن والأحقاد في صفوفها، وبث الدسائس بين الحكم والطوائف. وكان نشاط بريطانيا ملحوظاً في هذا المجال حتى أن القنصل البريطاني اقترح على الحكومة العثمانية الموافقة على أن يقوم الـيهود بتقديم مظالمهم إلى السلطات بواسطة القنصلية إلا أن طلبه قد قوبل بالرفض .تمكنت القنصلية بعد ذلك من إيجاد رعايا لبريطانيا في القدس من خلال الاستجابة بسهولة إلى طلبات الحماية التي كان يتقدم بها بعض اليهود من حـين لآخر. ولم تقتصر القنصلية البريطانية على وضع اليهود المقيمين في القدس تحت الحماية البريطانية بناءً على تعليمات رئيس الوزراء بالمرستون بحجة ضمان سلامتهم وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم، بل تعداه إلى منح اليهود الروس والنمسايين ممن نزعت جنسيتهم بعد وصولهم للقدس الحماية البريطانية حيث نظمت القنصلية سجلات خاصة في عام 1849م ومنحت شهادات الحماية بدون مقابل لليهود. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1849م، أسس القنصل البريطاني في القدس جمعية القدس الأدبية برئاسته للبحث والتحري عن الآثار في الأراضي المقدسة بحدودها التوراتية. وتحولت هذه الجمعية عام 1865م إلى صندوق استكشاف فلسطين، وحصلت في عام 1869م على فرمان بواسطة السفارة البريطانية في استانبول للتنقيب عن هيكل سليمان في منطقة الحرم الشريف بعد التعهد بعدم إلحاق أضرار بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة من جراء الحفريات. وقام العاملون في الصندوق بدور كبير في توجيه أنظار اليهود إلى فلسطين عن طريق تزويدهم بالمعلومات الجغرافية والتاريخية والسياسية التي كانوا يحتاجونها. وحين فشل اللورد بالمرستون في إغراء السلطان العثماني بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وبيت المقدس واستيطانها مقابل الاستفادة من نفوذ وفوة وثراء اليهود، لجأ اللورد بالمرستون (هنري جون تيمبل) حين كان وزير لخارجية بريطانيا في عام 1840 إلى ممارسة ضغوط شديدة على الدولة العثمانية مستغلا الأزمة التي وقعت بين سلطان الدولة العثمانية وبين محمد علي والي مصر، ولكنه فشل مرة أخرى في ثني السلطان عبد المجيد عن رفضه السماح لليهود بشراء الأراضي والاستيطان غير المحدود في فلسطين. (18)

وتنافست القنصلية الفرنسية في القدس مع القنصليات الأجنبية الأخرى من تخطي القيود العثمانية على الهجرة اليهودية لتوسيع دائرة الحماية الفرنسية على اليهود المهاجرين إلى فلسطين لموازنة مراكز النفوذ الأخرى. ونشط القنصل الفرنسي في اتصالاته مع السلطات المحلية،وكان أثره واضح في تثبيتت اليهود وحصولهم على امتيازات خاصة بهم. وفي عهد الأمبراطور نابليون الثالث، قام جان هدني دونان بنشاطات واسعة في فرنسا وخارجها لكسب التأييد لليهود والضغط على الباب العالي للسماح بانشاء مستوطنات تجارية يكون سكانها من اليهود الفرنسيين. وكان من أهم إنجازات دونان إنشاء (جميعة استعمار فلسطين) في باريس. وفي عام 1860م، دعا السكريتر الخاص لنابليون الثالث إلى تثبيت الوجود الفرنسي في الشرق العربي بإعادة بناء الدولة اليهودية في فلسطين. (19)

وهكذا تصرفت القنصلية الألمانية، فمنحت الحماية الألمانية لليهود دون الإهتمام بالتدقيق في صحة الوثائق والمستندات التي يحملونها، وحتى وإن كانوا من غير الألمان. فقد حبّذ بسمارك الاستيطان اليهودي في فلسطين والمناطق المجاورة لخط سكة حديد بغداد – برلين بمساعدة ألمانيا حتى يضمن ازدهار المصالح الألمانية في تلك المناطق. (20)

أسفر نشاط وتطور النفوذ الأوروبي في القدس واهتمام قناصلهم وإرسالياتهم بحقوق اليهود في الإمبراطورية العثمانية إلى تغيير لا يستهان به في أوضاع الطائفة اليهودية. ويتمثل هذا التغيير في المقام الأول بأن كل زيادة في النفوذ الأوروبي رافقها ارتفاع لعدد السكان اليهود في القدس بحيث بلغ مع منتصف الخمسينات من القرن الثامن عشر نحو (5000) نسمة أي ما يقارب نصف عدد اليهود في فلسطين آنذاك كان منهم نحو (3000) نسمة تحت الحماية النمساوية لكون النمسا تتمتع بأفضلية بين الدول الأوروبية الأخرى في علاقاتها مع الدولة العثمانية، و (1000) نسمة تحت حماية بريطانيا و(1000) نسمة تحت حماية ألمانيا وروسيا وهولندا والولايات المتحدة. وارتفع عدد اليهود بفضل نشاط القنصليات وفروعها إلى (13920) نسمة في عام 1876م. وهذه الزيادة السكانية، لا يمكن نسبتها إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية أو غير ذلك من العوامل العامة التي أفادت البلاد ككل، بل إلى الخدمات القيمة التي قدمها القناصل الأوروبيون في القدس ومساعدتهم لليهود على تعميق جذورهم بالمدينة من خلال منعهم السلطات العثمانية أحيانا حتى من تطبيق القوانين المعمول بها عليهم. وكان نشاط القناصل ملموسا، بشكل خاص في مساعدة اليهود على شراء الأراضي في القدس والأستيطان فيها.(21) وتُبرز وثائق وزارة الخارجية الفرنسية، أثر القنصليات الأجنبية في القدس حين تشير إلى أنّ عدد اليهود في القدس عام 1904م قد وصل إلى حوالي أربعين ألف توزعوا علي النحو التالي: (10) آلاف مسجلين في القنصليات الأجنبية، و(15) ألف في سجلات الدولة العثمانية، و(15) ألف آخرين صنفوا بدون جنسية، أي بمكن اعتبارهم يتمتعون أيضا بالحماية الأجنبية.

3- مشاريع الاستيطان الفردية:

كان تزايد اليهود في القدس يتم بشكل فردي وغير منظم حتى أواخر القرن الثامن عشر، كما أنه لم يرتق إلى أكثر من مستوى أسر دفعتها العاطفة الدينية إلى الهجرة كونها تؤمن بأن قيام الدولة اليهودية يرتبط بظهور المسيح المنتظر الذي سيعيد بناء الهيكل. (23) ومع بداية القرن التاسع عشر، بدأ مركز اليهود في القدس وفلسطين خاصة والدولة العثمانية عامة يظهر بشكل واضح من خلال الأفكار التي أخذ يطرحها المسؤولون الأوروبيون عن المصالح المشتركة، والتي أثارت اهتمام أثرياء اليهود ومفكريهم، فظهرت حركات دينية وجمعيات مختفة تدعو إلى الإنتقال من (حب صهيون) إلى الهجرة إلى (أرض اسرائيل) واحتلال القدس وجعلها عاصمة للدولة اليهوديه. (24) وكان لأوضاع الجاليات اليهودية الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة علاقة مباشرة في دعم الجهود السابقة، حيث اتخذ منظروا الفكرة الصهيونية من العطف على الفقراء ومد يد العون والإحسان لهم دافعا إلى دعوة زعماء الطوائف اليهودية في أوروبا الشرقية بممارسة الضغط على الفقراء وحملهم على الهجرة، إلى جانب دعوة الأغنياء إلى استخدام نفوذهم لدى الحكومات الاوروبية للضغط على الحكومة العثمانية للسماح لليهود بالهجرة والاستيطان في فلسطين.(25)

ولاقت هذه الدعوات قبولاً لدى نخبة من الأثرياء اليهود الذين خشوا من أثر هجرة اليهود الفقراء الوافدين من شرق أوروبا على الحقوق والأمتيازات التي يتمتعون بها في مجتمعات أوروبا الغربية. وتمثلت استجابتهم في إنشاء جميعات للاستيطان مهمتها الأساسية جمع الأموال اللازمة لشراء الاراضي وتمويل بناء المستوطنات وتنظيم عملية الهجرة. ومن هؤلاء، برز الحاخام يهودا القلعي، الذي أسس جمعية للاستيطان في القدس، وتسفى هيرش كاليشر، وهو مفكر نشيط حيث ساهم في تأسيس جميعة استيطان في فرانكفورت وأخرى في برلـين إلى جانب التأثير على مجموعة من أغنياء اليهود لشراء قطع أراضي أقيمت عليها مدارس زراعية. (26)

ولكن الجهود والمساعي التي بُذلت لم تخرج في تلك المرحلة عن سيطرة مشاريع الاستيطان الفردية غير المنظمة التي استهدفت تحسين وضع الطائفة اليهودية، وكان في نتيجتها أن تزايد عدد اليهود وبدأوا في مرحلة لاحقة بإقامة الأحياء الجديدة خارج أسوار البلدة القديمة. وبرز في هذا الإطار، جهود لعائلة روتشيلد وجميعة الأليانس الفرنسية والثرى اليهودي البريطاني حاييم موشى منتفيوري، الذي كان من أثرى الشخصيات اليهودية في العالم يومئذ وأكثرهم نفوذا وحضوة لدى الحكومة البريطانية. وانسجاماً مع شدّة اهتمامه بشؤون فلسطين، أسس منغيوري أول مدرسة يهودية في القدس عام 1835م، ثم زار فلسطين لأول مرة بعد ذلك بعامين. (27)

لم يتكتم مونتفيوري على مشاريعه الكبرى طويلاً، ففي عام 1836م، وبإيعاز منه، قدم وكيل الطائفة الاسكناجية في القدس عرضاً إلى مجلس شورى القدس استهدف تجاوز تسامح الحكم المصري بترميم الكنس. وانسجاما مع هذا العرض، طرح مونتفيوري مشروعه الاستيطاني للمرة الأولى على محمد علي باشا عام 1837م، ثم ما لبث أن زاره مرة اخرى في العام التالي طالبا استئجار “خمسون فداناً ومائتي قرية لخمسين عاما بإيجار معين يسدد على أقساط سنوية”. وكان مونتفيوري ينوي أن يستقدم جاليات يهودية من أوروبا وأمريكا وجنوب أفريقيا لاستثمار تلك الأراضي والاستيطان فيها. (28)

وعلى الرغم من الرفض الشديد الذي قوبل به عرض مونتفيوري، إلا أن اليهود استمروا في سياستهم دون تراخ. ففي أوج الأزمة بين محمد علي باشا والدولة العثمانية، وقبل نحو نصف عام من انسحاب القوات المصرية من القدس، حاولت الطوائف اليهودية استغلال هذه المرحلة الحرجة وابتزاز اعتراف رسمي يبيح لهم إجراء تعميرات في الزقاق المحاذي لحائط البراق بحارة المغاربة. وعن طريق القنصل البريطاني، استطاع اليهود انتزاع الاعتراف الصريح وحصلوا على رخص بذلك. ولكن تشدد متولى الوقف ومجلس شورى القدس حمل على ما يبدو محمد علي باشا إلى تصدير أوامره إلى ابنه بمنع تبليط الزقاق. (29)

الفشل لم يكن من نصيب مجمل النشاطات اليهودية، ففي زيارة مونتفيوري الرابعة لفلسطين عام 1849م، نجح في الحصول على فرمان من الخليفة العثماني السلطان عبد المجيد سمح بموجبه لليهود بشراء الأراضي في مدينتي القدس ويافا. ويعود الفضل في هذا النجاح إلى الدور الذي لعبه اللورد بالمستون رئيس الوزراء البريطاني بالضغط على السلطان مستغلاً وقوف بريطانيا إلى جانب الدولة العثمانية في حرب القرم ضد روسيا. (30) وبمساعدةٍ من السفير البريطاني، اشترى مونتفيوري أراضي بين يافا والقدس أقام عليها أقدم المستوطنات اليهودية في فلسطين. كما تمكن الثري اليهودي من الحصول على فرمان آخر عام 1855م، سمح له بموجبه بشراء مساحة من الأراضي خارج سور البلدة القديمة للقدس تقع إلى الغرب من بوابة يافا وبالقرب من باب الخليل خصصت لاقامة مستشفي عليها. ولكن مونتفيوري عدل خططه بعد ذلك بناء على نصيحة وجهاء اليهود في القدس الذين اقترحوا إقامة مساكن شعبية بدلا من المستشفى نظرا لازدحام الحي الذي يسكنه اليهود داخل السور. وحين حاولت السلطات العثمانية عام 1859م إيقاف أعمال بناء المساكن لأنها تخالف تعليمات الفرمان، تدخل القنصل البريطاني ثم السفير في اسطنبول، وانتهى الأمر بالسمح باستمرار البناء. وبهذا العمل، يكون مونتفيوري قد وضع أساس أول حي سكني يهودي في القدس، أصبح نواة للحي اليهودي من المدينة وعرف فيما بعد باسم (حي مونتفيوري). كما جاءت مواجهة بوابة يافا، وأنشأت ثمانية أحياء سكية من الناحية نفسها عام 1893م بمساعدة صندوق مالي يدعى (مزكيرت موشي أي ذكرى موشي) أسس تخليداً لذكرى مونتفيوري.(31)

أما من جهة الرواد الأوائل من يهود ألمانيا الذين سعوا عام 1860م إلى الهجرة إلى القدس وفلسطين، فقد تزعمهم رجل يدعى هوفمان قام بتأسيس جميعة دينية عرفت باسم (جميعة محبي القدس)، واختصاراً باسم (تامبل). وقام هوفمان بطلب ترخيص لتأسيس مستوطنة يهودية ألمانية في الأراضي المقدسة، وحصل على الإذن من السلطان العثماني عام 1868م مستفيدا من نظام الامتيازات الاجنبية. وفي عام 1869م، بدأت قوافل المهاجرين الألمان تطأ أرض فلسطين حيث استقرت في البداية بمنطقة حيفا ثم انتقلت إلى القدس ويافا بعد أن ابتاع هوفمان أراضي لاسكان المهاجرين.(32)

وفي نفس السياق، دعا الثري اليهودي لورنس أوليفانت الحكومة البريطانية والدولة العثمانية عام 1879م إلى دعم مشروعه بإسكان المهاجرين اليهود في ضواحي القدس للمساهمة في إعمارها، وفي المقابل، تستفيد الدولة العثمانية من الثروات والخبرات اليهودية، وتحظى بتأييد اليهود الإعلامي في مختلف بلدان العالم. ولذلك، طلب السماح لجماعة من اليهود العثمانيين لإنشاء شركة عثمانية خالصة تقوم بإعمار لواء القدس وتطوير الصناعة والتجارة والزراعة فيه. ولكن أوليفانت أخفق في الحصول علي موافقة الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني علي مشروعه. (33)

وإلى جانب الفردية السابقة، قامت جمعيات يهودية مثل الإتحاد الإسرائيلي العالمي (الأليانس) الذي تأسس عام 1860م في باريس لحماية اليهود وتحسين أحوالهم في فلسطين والعمل على زيادة عددهم فيها بكل وسيلة ممكنة، بدور مهم حيث حصلت على التمويل اللازم لنشاطها من آل روتشيلد والبارون موريس دي هيرش.

وتكللت مساعي الأليانس بالنجاح حين حصل النائب اليهودي في البرلمان الفرنسي أدولف كرميه على فرمان من الخليفة العثماني السلطان عبد العزيز عام 1868م باستئجار (2600) دونم بالقرب من يافا لمدة 99 عاما. فأقامت الأليانس عليها أول مدرسة زراعية لتدريب المهاجرين اليهود. ونتيجة لذلك، قامت مجموعة من يهود القدس عام 1878م بشراء (335) دونما في أراضي قرية ملبّس، وفي العام التالي، وضع يهود القدس أيديهم بالطريقة نفسها على منطقة مجاورة بلغت عشرة آلف دونم حيث أقاموا على هاتين القطعتين مستوطنة بتاح تكفا. (34) وشكلت هذه المستوطنة التي عدت من أكبر المستوطنات في فلسطين المحتلة محطة للمهاجرين الجدد في طريقهم إلى القدس نظراً للعقبات التي وضعها السلطان عبد الحميد الثاني فيما بعد في وجه الهجرة اليهودية المنظمة.

4- بداية مشاريع الاستيطان المنظم:

يعتبر الفرمان الذي حصل عليه مونتفيوري وإقامت الحي الذي يحمل اسمه على أول أرض يمتلكها اليهود في القدس منذ نحو ألفي عام هو الخطوة الأولى من مخططات الحركة الصهيونية لمحاصرة مدينة القدس وتحقيق أكثرية سكانية فيها. إذ لم تمض سوى فترة قصيرة من الزمن حتى أخذ البناء يمتد وينتشر على امتداد الطرق المؤدية إلى بوابات المدينة الغربية والشمالية والجنوبية. فمن بوابة يافا إلى بوابة دمشق (باب الخليل وباب العامود)، أقيمت أحياء يهودية على أراضي استطاعت المؤسسات اليهودية أولاً ثم الحركة الصهيونية فيما بعد شراءها، بالتحايل على القانون الذي منع بيعها لليهود، وبمساعدة القنصل البريطاني. (35)

وجاء قانون تملك الأجانب الذي أصدرته الدولة العثمانية عام 1867م، نتيجةً للضغوط الخارجية التي حتمتها تدخل الدول الأوروبية وتنافسها فيما بينها على ممارسة النشاط القنصلي والديني والثقافي ومطالبات سفرائها بالسماح لرعاياهم بتملك الأراضي والعقارات، ليفتح الباب على مصراعيه لرعايا الدول الأجنبية والحركة الصهيونية لشراء الأراضي. وتضمن القانون كذلك، اعترافا رسميا بما جرى شراؤه بطريقة غير شرعية طوال الفترة التي سبقت إعلانه.(36)

وكان لهذا التحول في الإجراءات من جانب الحكومة العثمانية دور كبير في التأثير على بنية المُلكية في المدينة المقدسة، وشكل أحد المنافذ التي ولجت منها الحركة الصهيونية للقيام بمشاريع استيطانية ضخمة قبل أن يتسنى لها بناء مستوطنات بشكل منفرد في الأراضي الأميرية الصالحة للزراعة خاج أسوار المدينة. فقد أخذ المهاجرون اليهود ممن يحملون جنسية الدول الأوروبـيـة وينضـوون تحت حمايتها بتشييد الأحياء وشراء الاراضي لأغراض البناء دون الحاجة لأخذ الموافقات. وكانت الأموال تتدفق إلى القدس من الخارج على هيئة تبرعات للجمعيات والأثرياء دون أن يواجهها أي عوائق أو عراقيل، لدفع أثمان الأراضي وبناء المستوطنات وتعزيزها بالمدارس الدينية والمشافي والجامعات لصهر الثقافات وإحياء اللغة العبرية. (37)

وترك هذا النشاط بصمات واضحة المعالم على أراضي الدولة العثمانية بما فيها القدس والمناطق التابعة لها. إذ أخذت المشاريع الاستيطانية المنظمة تغزو الأراضي القائمة في الزاوية الشمالية الغربية للمدينة الممتدة من باب العمود شرقاً إلى باب الخليل غرباً. (38) ففي عام 1868م، انطلقت عجلة الاستيطان حين بادرت سبع عائلات يهودية في المدينة إلى إقامة ضاحية “نحلات شيفع” على الطريق بين بوابة يافا ومدينة يافا بالقرب من ساحة صهيون حالياً، التي تحولت مع بداية القرن العشرين إلى مركز القسم الغربي من المدينة، ثم أقيم حي “متحانيه يسرائيل” على بعد أقل من كيلومتر من بوابة يافا. وتم ما بين عامي 1875-1878 تأسيس عدد من الأحياء اليهودية الأخرى منها “مئاه شعاريم” و”ايفن يسرائيل” على طريق يافا، قريبا من فندق الملك داود حالياً، و “مشكانوت شعنانيم” بالقرب من هذا الحي، و “بيت دافيد” إلى الشمال من طريق يافا مقابل “نحلات” وفي سنة 1882م أقيم حي “أوهل موشي” إلى الجنوب الغربي من شارع أغريباس.

وفي هذه الأثناء أخذ البناء ينتشر أيضا ما بين بوابة يافا “مئاه شعاريم” على مسافة غير بعيدة من بوابة دمشق. ومع نهاية القرن التاسع عشر أقيمت أحياء أخرى على امتداد الطرق المؤدية إلى بوابات المدينة، فوصل البناء في منطقة طريق يافا إلى “محانيه يهودا”، وفي الجهة الشمالية الشرقية إلى منطقة مناه شعاريم. أما باتجاه الشرق فقد أقيمت أحياء عربية ثم مسيحية أجنبية. وعند نشوب الحرب العاليمة الأولى وصلت حدود البناء إلى مدخل ” روميما” غربا وحي بوخارين والشيخ جراح شمالا، بينما كان البناء أقل في الجهتين الشرقية والجنوبية لأسباب طوبوغرافية في الأساس.(39)

واستناداً إلى سجلات محكمة القدس الشرعية، وخارطة المهندس النمساوي شيك الذي شارك في تنظيم الأحياء والمستوطنات اليهودية، فإن المستوطنات التي غزت شمال غرب المدينة وصلت إلى (36) مستوطنة حتى عام 1918م. وكانت المستوطنات تعرف الواحدة منها (القومبانية) كما هو مبين في الجدول التالي:

الرقمالاسم المعربالاسم العبري
1ملك السبعة نحلة شيبع
2صخرة يعقوبابن إسرائيل
3الـ (١٠٠) بوابةميا شأنيم
4بيت نيزن باك(؟) بيت تيزن باك
5 حجر الزاوية شعرفنا
6 بيت يعقوببيت إسرائيل «يعقوب»
7خيام سليمانأوهل شلومو
8ملك صهيوننحلة صهيون
9بوابات موسى شعري موشي
10معسكر يهودا منحني يهودا
11عودة الأخوةشبات أخيم
12مساكن إسرائيل «يعقوب» مشكنوت إسرائيل
13ذكر موسى مزكرة موشي
14مأزرة إسرائيل عزرات إسرائيل
15بوابات أورشليم «القدس»شعري يرشولايم
16خيمة موسى أوهل موشي
17قومبانية بدون اسم بدون اسم
18تجمع إسرائيلكنيست إسرائيل
19ذكرى طوبيازخرون طوبيا
20بوابة العدل شعري صبيدخ
21يبت يعقوبيبت يعقوب
22قومبانية يهود اليمنيهود اليمن
23 بيت يوسف ييت يوسف
24بدون اسم قومبانية بدون اسم
25سليمان الصديقشمعون الصادق
26قومبانية يهود بخارىبيت بخاري (البخارية)
27يمين موسى (موسى مونتفيوري) يمين موشي
28بيت ناتان بيت ناتان
29بيت يهوذابيت يهوذا
30مساكن السلامشكوت شلوم
31ملك سليماننحلات شمعون
32ملك شوعانحلة شوعا
33؟التنك
34قوة إسرائيلأون إسرائيل
35البشارةميشروم
36المذكرمتكاريت

استمر النشاط الاستيطاني في الأحياء الجديدة (القومبانيات) دون تراخٍ، وظل اليهود يقومون بمشاريع عمرانية بين البيوت القديمة وعلى جوانبها إلى أن اشتعلت الحرب العالمية الأولى، فتجمدت المشاريع. ولهذا بدت الناحية الشمالية والشمالية الغربية من سور القدس من الصور الجوية التي التقطها الطيران الألماني ما بين 1917 و1918م قد غصت بغابة من المباني. وباعتماد التقديرات عدد بيوت أحياء القومبانيات الـ (36) والمتراوحة ما بين (300 -400) بين عام 1899م، لعدد أفراد الأسرة اليهودية (5) أشخاص، فإن أعداد المستوطنين المقيمين في القدس عام 1913م تتراوح بين (54000) و (72000) مستوطن. (40)

ولم يقتصر دور القومبانيات على إيواء جموع المستوطنين وحسب، بل اتخذت أوكارا لأعضاء الحركة الصهيونية وشركاتها وجمعياتها وبنوكها ووكلائها لـلإنطلاق لشراء الأراضي في الأرياف وديار العربان وبناء المستوطنات فيها. فبدأت فعاليات النشاط الاستيطاني في المواقع الريفية بعد نحو عشر سنوات على إنطلاقته في مدينة القدس. إذ أخذت الحركة الصهيونية بشراء الأراضي وبناء المستوطنات، والعمل بأقصى جهد مستطاع لتوفير جميع الظروف المادية والمعنوية للحفاظ على بقائها واستمرارية نموها.

وقد ترتب على تلك الفعاليات بناء (13) مستوطنة في أرياف متصرفية القدس، كان من بينها واحدة في ريف مدينة القدس هي (هارطوف)، وتعني الجبل الجميل، وأُنشئت على يد مجموعة من يهود بلغاريا عام 1895م على المنحدرات الغربية لجبال القدس المعروفة بمنطقة العرقوب كونها تطل على الممر الاستراتيجي الذي يصل السهل الساحلي بالقدس المتمثل بمجرى وادي الصرار، وتمر به سكة حـديد يافا القدس، وتقع في أراضي تصل مساحتها إلى (5060) دونماً. (41)

وكانت الأراضي والمستوطنات تسجل وقفا خيرياً حسب قواعد الوقف الإسلامي حيث سعى القائمون على إدارة المستوطنات وخدماتها على حبسها على جهة معينة من وجوه الحبس الخيري، وذلك لضمان استمرارها في تحقيق غاياتها والحيلولة دون مصادرتها من قبل الدولة وتعدى السكان العرب عليها. فمستوطنة  أو حي المونتفيوري أوقفه حاييم موشي مونتفيوري «على فقراء الطائفة الموسوية  بالقدس..»، وكان كت إشراف وتولية حاخام باش الطائفة الموسوية بالقدس. (42)

5 – السياسة العثمانية تجاه الاستيطان اليهودي وتهويد القدس:

النجاح الذي حققته الحركة الصهيونية من امتلاك اليهود لأول قطعة من الأرض قي القدس ثم صدور قانون تملك الأجانب، لتنطلق بعد ذلك عجلة الاستيطان وشراء الأراضي وبناء المستوطنات وامتدادها داخل وحول البلدة القديمة، وما صاحبها من تحولات جذرية في بنية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وَلّد شُعوراً لا يستهان به من عدم الاطمئنان وساهم في كشف اهداف ونوايا اليهود الحقيقية لدى الحكومة العثمانية التي كانت حتى عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876 – 1909) تتبع سياسة التسامح الديني والعطف الإنساني. وإزاء ذلك، تبلورت اتجاهات ومواقف متباينة في اسطنبول والقدس على الصعيدين الرسمي والشعبي، ظهر بجلاء في فرمانات وأوامر الباب العالي وتعليمات متصرفي القدس، حيث شددت الحكومة من رقابتها واتخذت موقفاً حازماً لكبح جماح مخططات ومشاريع التغلغل الصهيوني في الأراضي والتخفيف من وتيرة وحدّة حركة الشراء والاستيطان.  سجلت السياسة العثمانية الجديدة تجاه هجرة اليهود إلى القدس وشرائهم الأراضي طابعا جدياً وحاسماً ابتداءً من أبريل 1882م، حين طلبت جميعة (محبو صهيون) في أوديسا من القنصل العثماني العام هناك منح المهاجرين اليهود الهاربين من الإضطهاد من روسيا القيصرية سِمات دخول إلى الدولة العثمانية بغرض الإستيطان في القدس. وإذ لفت عدد المهاجرين الكبير انتباه القنصل العثماني، جاء الرد من الباب العالي بالسماح لليهود في الاستيطان بأي من ولايات  الدولة باستثناء فلسطين. (43)

وتشدد السلطان عبد الحميد فى موقفه، معبراً عن شعور لا يستهان به من عدم الاطمئنان للهجرة اليهودية الواسعة إلى القدس وما رافقها من حقوق وامتيازات لليهود كرعايا أجانب. فأصدر فرماناً يقضي بعدم السماح لليهود الذين يحملون جنسيات روسيا ورومانيا وبلغاريا من الدخول إلى القدس وشراء الأراضي.

وباشرت سلطات ميناء يافا بوضع صعوبات أمام اليهود المهاجرين، غير أنه وأمام ضغط الدول الأوروبية، وبخاصة بريطانيا، عدل السلطان من تعليماته وسمح لليهود ابتداء من عام 1884م بدخول فلسطين من أجل زيارة الأماكن المقدسة ولمدة 31 يوماً فقط. ومع استمرار ضغط الدول الأوروبية، وافقت الدولة العثمانية عام 1887م على تمديد إقامة اليهود بقصد الحج إلى ثلاثة أشهر شريطة تسليم جوازات سفرهم إلى سلطات الموانئ او متصرفية القدس واستبدالها بورقة حمراء سارية المفعول لمدة ثلاثة أشهر لضمان عودتهم إلى بلادهم. وهذه الإجراءت انطبقت حتى على اليهود المقيمين في أملاك الدولة العثمانية كمصر وسوريا والعراق. (44)

ولكن الورقة الحمراء لم تضع حداً لتيار الهجرة، فقد دخل المستوطنون أراضي المتصرفية بطرق غير مشروعة، إلى جانب تراجع الدولة العثمانية أمام ضغوط بريطانيا وفرنسا، فاضطرت إلى التصريح في تشرين الأول (أكتوبر) 1888م بأن القيود الجديدة لن تطبق إلا بحق المهاجرين بأعداد كبيرة وليس بحق الذين يأتون فرادى. وتشجعت القنصلية البريطانية في القدس بهذا التصريح، فمنحت حمايتها في عام 1893م لأكثر من 200 عائلة يهودية. (45)

وعلى الرغم من رفض القناصل الأوروبين التعاون مع الدولة العثمانية لتسهيل مهمة إخراج اليهود الأجانب الذين انتهت مدة الإقامة الممنوحة لهم، فقد استمرت السلطات المحلية بالقدس بتطبيق اجراءات تقييد الهجرة اليهودية، إلى جانب رفض سلطات ميناء يافا السماح بدخول اليهود الذين لم يحصلوا مسبقا على سمات دخول من القنصليات العثمانية في بلادهم. (46) وتشكلت لجنة خاصة في القدس لتطبيق قيود حظر الهجرة اليهودية بصرامة. كما سعت الدولة العثمانية لدى الحكومة البريطانية في أواخر عام 1898م لتعديل المادة الأولى من معاهدة الامتيازات الانكليزية لعام 1675م، والمادة الأولى من معاهدة 29 نيسان (إبريل) 1861م، والمادة (62) من معاهدة برلين 13 حزيران (يوينو) 1878م، وهي المواد المتعلقة بالتسهيلات الممنوحة للرعايا الإنجليز في الإقامة والسفر إلى الدولة العثمانية.

ولكن وزارة الخارجية البريطانية رفضت ذلك معللة رفضها بأنه من غير المعقول التمييز بين الرعايا الأنجليز. وكان الموقف الفرنسي مماثلاً للموقف البريطاني، حيث أجاب السفير الفرنسي في اسطنبول بأن القانون الفرنسي لا يستثني طوائف بعينها ويعترف بالحقوق نفسها لجميع الفرنسيين إأياً كان مذهبهم، وبما أن للفرنسيين الحق في المرور والإقامة في الولايات العثمانية، فأن هذا الحق لا يمكن أن يكون موضوع مناقشة بالنسبة لليهود الفرنسيين باعتبارهم مواطنين فرنسيين. (47) ويبدو أن المساعدات التي حصل عليها المستوطنون اليهود من خلال استغلال نظام الأمتيازات كانت مهمة لدرجة دفعت مورخ الهاغاناه إلى تقييمها بقوله : (إننا لا نبالغ إن قلنا أنه لولا نظام الامتيازات، لما استطاع الييشوف الجديد الصمود في البلاد، ولما خرج حتى الييشوف القديم عن كونه طائفة شرقية على غرار يهود إيران وافغانستان). (48)

الحكومة العثمانية تمسكت بموقفها، واتبع الباب العالي سياسة منع دخول جميع اليهود الأجانب القادمين إلى القدس وفلسطين بقصد الاستيطان، وتشبثت السلطات المحلية في القدس بتطبيق التعليمات والقيود لمنع هجرة اليهود دون تمييز بين جنسياتهم وأوضاعهم المالية. وبذل متصرف القدس رؤوف باشا جهوداً كبيرة لمنع انتقال الأراضي إلى اليهود، إلا أن خلفه لم يتشدد مثله. وحال فساد الإدارة العثمانية وانتشار الرشوة التي كانت متفشية بين مختلف موظفي الدولة دون فعالية القيود والتعليمات العليا، فاندفع اليهود إلى شراء الأراضي، ودخل فلسطين والقدس عدد كبير من اليهود دون تسليم جوازات سفرهم بعد رشوة الموظفين. (49)

وقد أثارت كثرة أعداد اليهود وازدياد عمليات شرائهم الأراضي حفيظة وجهاء القدس، فرفعوا عريضة إلى السلطات العثمانية مطالبين منع الهجرة وبيع الأراضي لليهود. وصدرت أوامر الباب العالي المشددة إلى متصرف القدس عام 1892م بمنع بيع الأراضي الأميرية وحظر شراء العقارات في القدس من قبل اليهود.(50) ووضع السلطان عبد الحميد شرطان أمام زيارة اليهود للقدس، وهما: أن يقدم اليهودي طلبا رسميا مصدقا من القنصل العثماني في بلده ومتصرف القدس إلى ضابط الارتباط في القدس يقرر فيه بأن الإقامة قانونية، بالإضافة إلى عدم السماح لليهود الذين دخلوا بصورة غير قانونية بالعيش سواء في المدينة أو المستوطنات في الريف.  (51)

وبعد أن نجح هرتزل في حشد زعماء اليهود في العالم في مؤتمر عالمي في بال بسويسرا عام 1897م، وتمخض عنه نشأة المنظمة الصهيونية العالمية، سعى الصهاينة لتنفيذ قراراتهم بإقامة وطن قومي في فلسطين بشتى الوسائل. وفي سبيل ذلك، اتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد، وعرض عليه أن يستوطن اليهود في فلسطين مقابل مغريات مالية كبيرة يقدمها اليهود للدولة العثمانية التي كانت تعاني في ذلك الوقت من ضائقة مالية كبيرة، غير أن السلطان عبد الحميد رد رداً مشرفاً حيث قال لمن توسط في ذلك: (انصح صديقك هرتزل أن لا يتخذ خطوات جديدة حول هذا الموضوع، لأني لا استطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة، لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي، وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا مزقت دولتي من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل. ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولا في جثتنا، ولكن لا أوافق على تشريح جثتي وأنا على قيد الحياة) ،(52) وعن القدس، تحدث السلطان عبد الحميد قائلاً: (لماذا نترك القدس.. إنها أرضنا في كل وقت وفي كل زمان، وستبقى كذلك. فهي من مدننا المقدسة وتقع في أرض إسلامية، لا بد أن تظل القدس لنا). (53)

ثيودور هيرتزيل يقبل يد السلطان عبدالحميد الثاني

وعندما ادرك القادة الصهاينة استحالة أهدافهم ما دام السلطان عبد الحميد علي رأس السلطة، فقد عملوا على إسقاطه وإقامة حكم يستطيعون من خـلاله تنفيذ ما يصبون إليه. وتمكن حاييم وايزمان، خليفة هرتزل من تنفيذ الأهداف الصهيونية بواسطة أقطاب حزب الإتحاد والترقي الذين انقلبوا على السلطان عام 1908م ثم عزلوه عام 1909م فقد كانوا من يهود الدونما أو من تلاميذهم وحملة آرائهم، والمنفذين لمخططاته. وهكذا، لم يستمر التشدد الذي ألفناه عن ولاة القدس ومتصرفيها بشأن المشروع الصهيوني، إذ تعزز النفوذ اليهودي في الدولة التركية خلال الفترة الواقعة بين عامي 1908م و1914م، وتأسست وكالة صهيونية في اسطنبول.(54) وأصبح الحاكم العام للقدس أداة طيعة بيد الحركة الصهيونية لدرجة أن بعض المتصرفين عبروا عن مواقفهم المؤيدة للمشروع الاستيطاني علانية في جولاتهم الميدانية على المستوطنات. وفتحت أبواب الهجرة على مصراعيها، وسهلت عمليات نقل الأراضي بعد أن تسرب الفساد إلى الدوائر الإدارية الخاضعة لإشراف المتصرف. (55)

غير أن هذه التسهيلات والتي أدت إلى تدفق اليهود بأعداد هائلة إلى القدس حيث وصل عددهم عام 1910م نحو (45) ألفاً من أصل (70) ألفاً من هم مجموع سكان المدينة (12 ألفاً من المسلمين و13 ألفاً من النصارى)، ثم ارتفع عام 1912 إلى (48) ألفاً، لم تستمر طويلا. إذ أن دخول تركيا الحرب العالمية الأولى إلى جانب المانيا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا، وانحياز الحركة الصهيونية إلى جانب أعداء تركيا حصل من الإتحاد والترقي ينقلب في سياسته تجاه اليهود حيث تعرض المستوطنون اليهود في القدس للطرد والترحيل على يد جمال باشا قائد الجيش الرابع العثماني إبان الحرب . (56) وينقل المؤرخ عارف العارف، وقائع ما تعرض له اليهود يومئذ بقوله :(ولمّا أعلنت الحرب الكونية الأولى عام 1914م، راح الأتراك يطاردون الصهيونيين، وأصدر جمال باشا بوصفه القائد الأعلى للجيش الرابع المرابط في فلسطين أمرا منع فيه رفع العلم الصهيوني في أي أرض تقع كت حكمه، كما منع رفع أي لافتة تكتب باللغة العبرية، وصادر جميع الطوابع والأوراق المالية التي تخص الحركة الصهيونية وألغى جميع المؤسسات اليهودية التي تكونت في فلسطين بعد أن دخلتها خفية). (57)

ونتيجة لهذه السياسة الجديدة، وفي ظل الظروف الصعبة التي مرت بها القدس أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد تناقص عدد اليهود في المدينة، حيث وصل عام 1917م إلى (21) ألفاً. (58)

6- حصاد الاستيطان اليهودي وأسباب نجاحه:

لم تنجح الجهود التي بذلتها الدولة العثمانية في صياغة قرارات وفرمانات منع الهجرة اليهودية إلى مدينة القدس، وكذلك الجهود التي بذلها بعض متصرفي القدس لتنفيذ تعليمات المنع، وكل ما استطاعت تلك الفرمانات فعله هو إعاقة الهجرة اليهودية بعض الشيء وعرقلة مساعي اليهود لشراء المزيد من الاراضي. ولئن بذلت السدة السلطانية في اسطنبول كل ما في وسعها لحماية أراضي القدس من التغلغل الأجنبي والاستيطان اليهودي، إلا أن الواقع العملي يدل على وجود خروقات واضحة للإجراءات التي أتبعتها وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي.

فعلى الصعيد الداخلي، نجد أنه عوضاً عن الأراضي التي حصل عليها المستوطنون اليهود عبر الأذونات الرسمية الصادرة عن الحكومة العثمانية في اسطنبول قبل إعلان قانون تملك الأجانب عام 1868م، لجأ اليهود إلى التزوير والتحايل على أنظمة الدولة بتسجيل الأراضي والعقارات التي يشرونها بأسماء مواطنين يحملون الجنسية العثمانية أو بأسماء رؤساء الطوائف الدينية ممن يحملون الجنسية العثمانية واتخذوا من هذه الجنسية وسيلة للتحايل وخدمة للمطامع الأجنبية.

ومن أعمال التحايل التي سجلتها المحاكم الشرعية في مدينة القدس، قيام بعض اليهود بالتنازل عن جنسيتهم العثمانية والإنضواء تكت الحماية الأجنبية بعد قيامهم بتسجيل أملاكهم باسماء زوجاتهم وأولادهم إلى حين دخولهم في الحماية الأجنبية ثم يقوم هؤلاء باستعادتها وتسجيلها على أسمائهم. وعلى الرغم من هذه التجاوزات على الأنظمة والقوانين، إلا أن الدولة لم تتخذ عقوبات رادعة بحق مرتكبيها عند اكتشاف التجاوز، الأمر الذي شجع مثل هذه التجاوزات. كما أنه لم يكن هناك متابعة حثيثة من جانب اسطنبول للأجهزة التنفيذية والسلطات المحلية المدينة والعسكرية، وبالتالي لم تشدد الرقابة على حدود متصرفية القدس البرية والبحرية للحيلولة دون تسلل المهاجرين بصورة غير مشروعة. (59)

وعلى الصعيد نفسه، لجأ اليهود والحركة الصهيونية للإغراء المادي للتأثير على أصحاب الأراضي لبيع أراضيهم. كما استخدمت الحركة الصهيونية سلاح الرشوة الذي كان منتشرا حتى بين كبار الموظفين، فاستطاعت أن تجند مجموعة لا بأس بها غلبت مصلحتها الشخصية على المصلحة العامة وشملت هذه المجموعة أفراد العائلات المتنفذة والأسر التي بحوزتها ملكيات كبيرة إلى جانب بعض الموظفـين في المعابر ومراكز الحدود والموانئ والشرطة ودائرة الطابو والبلديات بعد أن تسرب الخلل والفساد إلى أروقة الجهاز الإداري في المتصرفية وهانت عند أفراده كل اعتبارات وقيم الدين والدولة والأمن والارض والشعب مقابل اشباع رغباته من الأموال. وغدت هذه المجموعة أداة طيعة في أيدي الحركة الصهيونية أتاح لها حضورها الواضح في الجهاز الإداري، واشغالها مراكز إدارية حساسة، استغلال الظروف الصعبة التي تنتاب المزارعين في بضع المواسم لوضع أيديهم على الأرض دون مقابل أو بالرهن والشراء ومن ثم نقلها إلى وكلاء الحركة الصهيونية سراً وعلانيةً. والشواهد على الأثار التي ترتبت على هذا الفساد عديدة، ومنها تلك المقالات التي تصدرت صفحات الصحف المقدسية. فتحت عنوان (إلى مأمور الطابو) طالبت صحيفة المنادي في 7/12/1913 مأمور طابو القدس بالكشف عن الوسيلة التي جرى فيها نقل ألف دونم من أراضي قرية صور باهر إلى الحركة الصهيونية في حين أنها ملك للوقف. وفيما نقلت الصحف المقدسية تقارير عن التواطؤ السائد بين بعض موظفي دوائر الطابو والحركة الصهيونية، فإن الدولة العثمانية أخطأت في عدم تجنيد الرأي العام المتميز بقوة انتمائه للدين والدولة في مقاومة التغلغل الأجنبي وحركة الإستيطان الصهيوني على نطاق واسع، وذلك على غرار تجنيدها له في طرد الحكم المصري كما أخطأت السلطات العثمانية مرة أخرى، إذ لم تكن العقوبات المتبعة ضد الموظفين والمسؤولين الذين لم ينفذوا تعليمات الباب العالي رادعة إلى حد بعيد. (60) ولهذه الاعتبارات، كانت الأوامر المتعاقبة من السلطان ومتصرف القدس دون نتيجة ولا قيمة لها عند هؤلاء الموظفين الفاسدين، حتى أن السلطات العثمانية اكتشتفت أن موظفي ميناء يافا المرتشين كانوا يرسلون تقاريرهم الشهرية إلى الوالي ببيانات كاذبة تفيد أن كل اليهود الذين دخلوا فلسطين خلال الشهر قد عادوا من حيث أتوا. (61)

وأما على صعيد العوامل الخارجية التي ساهمت في تشجيع اليهود والحركة الصهيونية بالهجرة والاستيطان في القدس، فإن مداخلات السفراء الأوروبيين في الأستانة وقناصلهم في القدس وبيروت الذين تمسكوا بحقوق الامتيازات وأعاقت احتجاجاتهم تنفيذ قيود الهجرة ضد اليهود وأضعفت فعاليتها، تعد العامل الرئيس في هذا الصعيد. كما لعب مترجموا القنصليات دوراً كبيراً في نقل الأراضي حيث كانت المساومة تري من خلالهم إلى أن أصبحت تجارة الأراضي والسمسرة لشرائها أمراً مألوفاً . (62)

وإن كانت المراجع المختلفة التي تناولت تلك الحقبة الزمنية (1917-1918م) لم تشر بشكل مفصل إلى مساحة الأراضي التي شملتها المشاريع الاستيطانية في مدينة القدس، فإن المؤشر الوحيد الذي أمكن الاعتماد عليه هو مقاييس الرسم للصور الجوية التي التقطها الطيران الألماني ( 1917-1918م ) للمستوطنات. وباعتماد المساحة التي بينتها الصور الجوية للمستوطنات الـ (36)، نجد أن الأراضي التي شملتها تقدر بنحو (5كم2) أقيمت عليها صفوف منتظمة من المباني وتخللتها الطرق والممرات والحدائق. وانطلاقا من هذه المساحة، كرست الحركة الصهيونية جل جهودها لفرض واقع ديمغرافي على المدينة وذلك بفتح جميع قنوات الهجرة والإستيطان بشتى الطرق والوسائل، وتذليل كل العقبات التي تضعها الحكومة لوقف تيار الهجرة.

وجاء التركيز على الأراضي في الجهة الشمالية والشمالية الغربية من السور، ليصب في هذا الإطار حيث اشترت الحركة الصهيونية (5600) دونماً في الشيخ جراح بغية بناء الجامعة العبرية عام 1905م و (1000) دونم في صور باهر عام 1913م. (63)

ونتيجة لزيادة الطلب على أراضي البناء، قفزت الأراضي بشكل كبير، وكانت المؤسسات الصهيونية وكبار الأثرياء اليهود على استعداد تام لإغداق الأموال الطائلة بصرف النظر عن كل اعتبارات المساحة والهيئة والشكل الهندسي، وذلك لحاجتها الملحة لاستيعاب المهاجرين الجدد. وكان ما تدفعه الجمعية أو الصندوق مقابل رقعة أرض صغيرة يفوق ثمن الأراضي الزراعية لقرية أو مجموعة من القرى بكاملها. ولذلك، أشارت سجلات محكمة القدس الشرعية أن السكان المحليين (مسلمين ومسيحيين) أصبحوا بمرور الزمن مجرد أقلية وسط مستنقع كبير من المستوطنين اليهود. (64)

المراجع

(1) رفيق شاكر النتشة: السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين (عمان :دار الكرمل للنشر والتوزيع 1984)،ص ص 53-54.

‏(2) د.عبد العزيز محمد عوضء الأطماع الصهيونية في القدس، الموسوعة، ص840‏ .

(3) د. أمين مسعود أبو بكر، ملكية الأراضي في متصرفية القدس: 1858-1918 (عمان : مؤسسة عبد الحميد شومان. 1996 ).ص 290 وص 294

‏(4) سمير جريس، القدس : المخططات الصهيونية -الاحتلال – التهويد ( بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية: (1981). ص18 .

‏(5) سمير جريس ، القدس : المخططات الصهيونية -الاحتلال – التهويد ( بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية: (1981). ص60 .

‏(6) رفيق النتشة: مرجع سابق؛ ص 26، وسمير جريس، مرجع سابق: ص16 .

‏(7) سمير جريس. مرجع سابق؛ ص ص 16-17.

‏(8) عبد العزيز عوض، الأطماع الصهيونية في القدس . الموسوعة .ص 861‏ .

‏(9) رفيق النتشة واسماعيل ياغي وعبد الفتاح أبو علية: تاريخ مدينة القدس (عمان :دار الكرمل للنشر والتوزيع؛ (1984).. ص ص 68-69.

‎(10) ‏سمير جريس . مرجع سابق.ص‎17

‎(11) عبد العزيز عوض، الأطماع الصهيونية في القدس، الموسوعة، ص861

(12) ‎المرجع السابق، ص857

‎(13) سمير جريس، مرجم سابق؛ ص‎ 20

‏(14) عبد الوهاب محمد المسيري، الأيديولوجية الصهيونية القسم الأول ( الكويت عالم المعرفة). ص ص 132-133 وص 135.

‏(15) أمين عبد الله محمود، مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى (الكويت:عالم المعرفة) .ص ص 14 -15، وعبد العزيز محمد عوض، مقدمة فى تاريخ فلسطين الحديث ‎1914-1831‏ (بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ص 42

‏(16) عبد العزيز محمد عوض . مرجع سابق

‏(17) رفيق شاكر النتشة: مرجع سابق؛ ص 72، وعارف العارف، المفصل في تاريخ القدس – الجزء الأول، ص 294 .

(18) رفيق شاكر النتشة، مرجع سابق، ص 73

(19)‏ حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين – المجلد الأول (القاهرة: دار المعارف . 1973). ص ص 13-14. وعبد العزيز محمد عوض، مرجم سابق، ص ص 242-843

(20) أمين عبد الله محمود. مرجع سابق، ص 29.

‎(21) صبري جريس، تاريخ الصهيونية – الجزء الأول ( بيروت: م. ت.ف – مركز الأبحاث،‏ 1981)، ص ص 63-64، وابراهيم أبو لغد، تهويد فلسطين ( ترجمة أسعد رزوق) (بيروت :م.ت.ف – مركز الأبحاث، 1972)، ص 43 .

(22) وجيه كوثران، فرنسا وفلسطين والصهيونية في مطلع القرن العشرين: قراءة في وثائق الخارجية الفرنسية (بيروت : دون ناشر)، ص 544 .

(23) عزمي أبو عليان . مرجع سابق، ص 226.

(24) د. عبد العزيز عوض، الموسوعة هامش (72).ص 845 .

‏(25) أمين محمود. مرجع سابق، ص ص 69-72

‏(26) عبد العزيز عوض، مرجع سابق: ص845 .

‏(27) معين أحمد محمود، تاريخ مدينة القدس، (بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع،
1979.

‏(28) العابدي. قدسنا ص 130-131 عن ملكية الأراضي 291 .

(29) د. أمين مسعود أبو بكر. ملكية الاراضي فني متصرففية القدس، ( عمان : مؤسسة عبد الحميد شومان: 1951) .ص 797 .

(30) عزمي ابو عليان . مرجع سابق. ص 227.

(31) رفيق النتشة، مرجع سابق؛ ص 328 .

(32) رفيق النتشة، مرجع سابق، ص‎ 87

(33) عبد العزيز عوض، مرجع سابق، ص 853 – 854 .

(34) عبد العزيز عوض، مرجع سابق، ص 854 .

(35) عبد العزيزعوض، مرجع سابق، ص 858 .

(36) د. أمين مسعود أبو بكر، مرجع سابق، ص 286 وص 326 .

(37) المرجع السابق؛ ص 597.

(38) المرجع السابق؛ ص 353.

(39) سمير جريس، مرجع سابق، ص ‎21‏ .

(40) د. أمين مسعود أبو بكر. ملكية الأراضي في متصرفية القدس، مرجع سابق

(41) المرجع السابق؛ ص ص 355-356.

(42) المرجع السابق؛ ص 603 و ص ص 608-609.

(43) المرجع السابق؛ ص 359.

(44) عبد العزيز عوض، ” متصرفية القدس في العهد العثماني ”. مجلة شؤون فلسطينية؛ بيروت، العدد 4، أيلول (سبتمبر) 1971، ص 133.

(45) أحمد نوري النعيمي، أثر الأقلية اليهودية في سياسة الدولة العثمانية تجاه فلسطين (بغداد : مركز الدراسات النلسطينية بجامعة بغداد. 1985)، ص 42 .

(46) عبد العزيز عوض ص 849 .

(47) عبد العزيز عوض ص 849 .

(48) عبد العزيز عوض ص 850 .

(49) د. أحمد نوري النعيمي، أثر الأقلية اليهودية في سياسة الدولة العثمانية، مرجع سابق؛ ص ص 47-48

(50) د. أحمد نوري النعيمي، اليهود والدولة العثمانية (بغداد :دار الشؤون الثقافية) .ص 73 .

(51) عبد العزيز عوض، ص 854

(52) د. أحمد نوري النعيمي، أثر الأقلية اليهودية في سياسة الدولة العثمانية، مرجع سابق.ص ص 54-55 .

(53) د. أحمد نوري النعيمي، اليهود والدولة العثمانية، مرجع سابق؛ ص 132 .

(54) المرجم السابق، ص ‎157‏ .

(55) عزمي أبو عليان، مرجع سابق. ص 229.

(56) د. أمين مسعود أبو بكر، مرجع سابق؛ ص ‎.615‏

(57) د. أمين مسعود أبو بكر، مرجع سابق، ص ص 162-163 .

(58) عارف العارف، المفصل ص547 عن عزمي أبو عليان ص 230.‏

(59) سمير جريس ص19‏ وعزمي أبو عليان ص 230‏

(60) د. أمين مسعود أبو بكر، مرجع سابق. ص297 وص 356 وص‎ 613

‎(61) د. أمين مسعود أبو بكر، مرجع سابق ص 485 وص 619 وص 727. وأحمد نوري النعيمي. أثر الأقلية اليهودية في سياسية الدولة العثمانية، مرجع سابق. ص ص 65-66 .

‏(62) صبري جريس، تاريخ الصهيونية : الجزء الأول. مرجع سابق، ص110‏ .

‎(63) د.عبد العزيز عوض، شؤون فلسطينية: العدد 4، ص 134، ود. أمين مسعود أبو بكر مرجع سابق، ص 357

‏(64) د. أمين مسعود أبو بكر، مرجع سابق؛ ص 598 وص 485 ‎٠‏

‏(65) المرجع السابق، ص 385 وص 599 .


اترك تعليقاً