إقليم ناغورني قره باغ

  بُلدان ومدن لا توجد تعليقات

ناغورني قره باغ أو ناغورنو كاراباخ هو إقليم أذري ذات أغلبية سكانية أرمينية ويقع تحت الاحتلال الأرميني منذا أوائل التسعينيات من القرن العشرين. كلمة ناغورني روسية الأصل وتعني المرتفعات أما قره باغ فهي كلمة تركية تعني الحديقة السوداء وبهذا تكون ناغورني قره باغ تعني “مرتفعات الحديقة السوداء. يُطلق الأرمن على الإقليم اسم “آتساخ”.

الجغرافيا والديمغرافيا

تقع منطقة ناغورني قره باغ ذات التضاريس الجلية الصعبة داخل أراضي جمهورية أذربيجان، في الجنوب الشرقي من سلسلة جبال القوقاز الصغرى ويبغ طول الإقليم من الشمال إلى الجنوب 120 كلم، ومن الشرق إلى الغرب بين 35 إلى 60 كلم. كان الإقليم خاضعاً للحكم الذاتي وتابعاً لأذربيحان. تعداد السكان لعام 1988 كان 96 ألف نسمة من الأرمينيين و 58 ألف نسمه من الأذريين. يمتد الإقليم من جبال القوقاز الصغرى إلى الأراضي الواقعة بين نهري كورا وآراس. وبهذا تبلغ مساحة الإقليم 48 ألف كلم مربع.

أما عاصمة الإقليم فهي سباناكيراث، نسبةً إلى الزعيم البلشفي الأرميني سيبان شاهوميان، ويبعد الإقليم عن غرب العاصمة الأذرية باكو نحو 270 كلم.

التسمية

كلمة ناغورني هي كلمة روسية تعني مُرتفعات أو جبال، أما كلمة “كاراباخ” أو “قره باغ” فتعني “الحديقة السوداء”؛ أي ترجمة “ناغورني قره باغ” تعني “مرتفعات الحديقة السوداء”، ويُطلق عليها الأرمن الذين يعيشون في الإقليم اسم “آرتساخ”، وهي كلمة مكونة من مقطعين: الأول “آر” نسبة إلى “آرا” إله الشمس عند الأرمن القدماء، و”تساخ” التي تعني غابة أو كَرم، وبذلك تعني كلمة “آرتساخ” “غابة” أو “كرمة الإله آرا”. أمّا الأذريون فيسمونها يوخاري قره باغ، أي “الحديقة السوداء العُليا”.

الاقتصاد

إقليم ناغورني قره باغ فقير بموارده، فهو يعتمد على الزراعة، التي يعمل بها غالبية سكانه، كما يعتمد على تصنيع بعض الأغذية، وبعض الصناعات الخفيفة مثل التّعدين. حيث إن جباله غنية بالمعادن الثمينة وشبه الثمينة مثل الذهب والنحاس. وتُعد أرمينيا الشريك التجاري الرئيس لإقليم ناغورنو قره باغ بسبب الطبيعة الديمغرافية وأيضاً لوقوعه تحت السيطرة الأرمينية.

أما الناتج المحلي لإقليم ناغورني قره باغ فلا يصل سقف المليار دولار، ففي العام الماضي 2019 بلغ الناتج المحلي للإقليم أكثر قليلاً من 710 ملايين دولار. وهو ناتج لتعداد سكان يبلغ نحو 150 ألف نسمة تمثل الإثنية الأرمينية 95% من سكانه والإثنية الأذرية 5% من السكان فقط وذلك لوضع الإقليم الحالي. وقد اعتمد الإقليم على السياحة أيضاً لما يحويه من آثار وغابات جبلية، لكن ذلك كله توقف تقريباً مع انتشار وباء فيروس كورونا (كوفيد-19)، والآن بسبب الحرب الدائرة في الإقليم أيضاً.

الأهمية الاستراتيجية

تكمن أهمية الإقليم في الموقع الجغرافي والسياسي وكذلك العسكري الذي يحظى به، ولاسيما بالنسبة لأطراف الصراع المحلية (أرمينيا وأذربيجان)، والإقليمية، ومنها (روسيا، وإيران، وتركيا)، فالإقليم يعدّ قاعدة عسكرية متقدمة بالمفهوم الأمني بالنسبة للطرفين المباشرين أرمينيا وأذربيجان، وساحة عمليات أيضاً بالنسبة للداعمين الإقليميين في حالة نشوب حرب، وكذا ورقة مساومة دبلوماسية في علاقات هذه الجهات المؤثرة أيام السلام.

بيضة القبان في الصراع على الإقليم هو مصادر الطاقة الكبيرة والموارد الطبيعية المتنوعة التي تمتلكها أذربيجان مما يخلق فرصة لمرور أنابيب النفط عبر الإقليم، كما أن خلق مناخ سلمي في المنطقة يعد مصلحة للشركات الأجنبية العاملة في مجال الطاقة الموجوده على الأراضي الأذرية ومنها بريتيش بتروليوم الإنجليزية و غيرها من الشركات الأمريكية، والإيطالية، واليابانية، والتركية، وحتى الجورجية، وكلها ترجو إقليماً مستقرًا من الناحية الأمنية بحيث يساعده الاستقرار على تسريع مشروعاتها هناك.

أيضاً هناك أهمية جيوبوليتيكية لمنطقة القوقاز عموماً، التي تتوسط كلا من روسيا “الشرق الأوسط” وآسيا الوسطى، وهو ما يجعل الإقليم جذاباً لكل القوى الخارجية المؤثرة. فلحلف شمال الأطلسي ومن خلفه الولايات المتحدة اهتمام إستراتيجي شديد بهذه المنطقة، إذ يعمل الناتو على احتواء دول القوقاز الثلاث وهم جورجيا وأذربيجان وأرمينيا ضمن برنامج “الشراكة لأجل السلام” للتضييق على روسيا، كما عرض الاتحاد الأوربي على هذه الدول إمكانية العضوية ضمن برنامج سياسة الجوار الأوربية “لأجل تقاسم السلام والاستقرار والازدهار التي يتمتع بها الاتحاد الأوربي مع دول المنطقة”.

خلفية النزاع على إقليم ناغورني قره باغ

تورد المصادر الأرمينية والأذربيجانية معلومات متناقضة حول أحقيتهما التاريخية في إقليم ناغورني قره باغ، فالأرمن يرون أن هذا الإقليم قد خضع لأرمينيا منذ القرن الثامن قبل الميلاد، حيث كانت المنطقة تسمى في حينها أورتيغا، ومن هذه التسمية اشتق الاسم الأرميني للمقاطعة “آرتساخ” وتُعَدّ كاراباخ جزءا من تاريخ أرمينيا منذ العصور القديمة، بحسب ما ترى المراجع الأرمنية، وقد سكن الأرمن الإقليم منذ أكثر من 3000 عام، وهذا ما تدل عليه النصوص الأثرية الموجودة في متحف الإقليم في مدينة إستيباناكيرد، فالإقليم يمثل بالنسبة للأرمن مهداً للحضارة الأرمينية، إذ وردت التسمية القديمة لقره باغ “آرتساخ” في مخطوطات قيصر “أورارتو ساردور الثاني” 763 – 734 ق.م، وكان إقليم آرتساخ يدخل ضمن دولة ميديا، ثمّ احتله في الفترة ما بين 180 – 160 ق.م مؤسس مملكة أرمينيا الكبرى أرتاشيكس الأول، ثمّ أسس القديس جورجيوس منور عموم أرمينيا في آرتساخ دير “أماراس” بصفته مركزاً مهماً للحياة الثقافية والدينية الأرمينية. وتشير المخطوطات إلى أن المسيحية بُشِّرت في الإقليم في القرنين الرابع والخامس للميلاد، أمّا في الفترة ما بين القرنين العاشر والثامن عشر الميلاديين فقد عرفت المنطقة باسم خاتشن، وهي كلمة مقتبسة من الكلمة الأرمينية (خاتش) التي تعني “الصليب”، إلى جانب تسميات أخرى للمنطقة، مثل أرمينيا الصغرى، وسيونيك الصغرى، فضلا عن الكنائس والآثار التي خلفها الأرمن في هذه المنطقة.

في القرن الثامن للميلاد بدأت موجات الفتح الإسلامي بالوصول إلى المنطقة، وفي القرن الثالث عشر تعرَّضت المنطقة إلى هجمات المغول الذين أطلقوا عليها اسم كاراباغ. ويورد الأذريون في معرض ردّهم على الادعاءات الأرمنية بأن الكنائس التي أقيمت هناك (قبل الفتح الإسلامي) أقامها الألبان المسيحيون في المنطقة، ولا دخل للأرمن فيها، حيث يشيرون إلى أن خان قره باخ كان قد أقام دولة فيها تمتد بين نهري كورا وآراكس، دامت بين عامي 1747 و 1822 وقد ألحق الإقليم بالإمبراطورية الروسية مع سائر المناطق الأذرية إثر الحرب الطويلة بين الفرس والأتراك، كما يرى الأذريون أن روسيا سمحت للأرمن بالانتقال إلى هذه المناطق لتعزيز الطائفة المسيحية في الجناح الجنوبي من الإمبراطورية والتصدي لنفوذ الدولة العثمانية هناك.

الصراع العثماني الصَّفوي

ومع مرور الزمن تحوّلت المنطقة إلى مسرح للنزاع بين الدولتين العثمانية والفارسية الصفوية، وذلك في فترة الحروب العثمانية الفارسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وفي هذه الفترة عرف الأرمن في هذا الإقليم أول استقلال حقيقي لهم، بقيادة زعيم هذا الإقليم دافيد بك الكاراباخي في الفترة 1722 – 1730 الذي تمكن من عقد معاهدات تحالف ودفاع مشترك مع روسيا القيصرية ضدّ العثمانيين سنة 1724م، كما تحالف مع الفرس ضد العثمانيين، إلا أنّ هذا الاستقلال لم يدم طويلاً، ففي عام 1730م قضت عليه الدولة العثمانية في أثناء حملتها ضدّ الفرس.

وفي عامي “1795 – 1797” اعتدى الشاه الإيراني آغا محمد شاه على قره باخ، لكنه أخفق في فرض سيطرته عليها، واضطر إلى الانسحاب بجيشه، لكن الحرب مع الفرس لم تتوقف، فتوّجه إبراهيم خان “قائد قره باخ” إلى روسيا، طالباً دعمها ضد الفرس، ووقع معها اتفاقية في العام 1805م، وظلت هذه المنطقة مسرحاً للحملات الفارسية والعثمانية حتى الحرب الروسية الفارسية الثالثة عام 1826م، وبعد خسارة إيران لهذه الحرب، تنازلت عن سيادتها على كل من أرمينيا الشرقية وجورجيا ومنطقة أذربيجان لصالح روسيا.

وفي عهد السيطرة الروسية ربط الروس في أثناء إيجادهم للإقليم الجديد السيبافيتبول مرتفعات قرة باغ الغربية بسهولها الشرقية، حيث كان أغلبية السكان أذريين، كما وفر الروس شبكة اتصالات، وطوّروا اقتصاد كلتا المنطقتين لربطهما معا، ليصبح معها ناغورني قرة باغ بشكل تدريجي جزءًا لا يتجزأ من النظام الاقتصادي الشرقي لجنوب القوقاز.

الحرب العالمية الأولى

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى ظلت المنطقة تحت السيطرة الروسية طوال الفترة الممتدة ما بين 1914 حتى 1917م، أي حتى قيام الثورة البلشفية في أكتوبر 1917م، واستجابة لأوامر لينين انسحب الجيش الروسى من كل جبهات القتال بما في ذلك جبهة القوقاز، بغية حماية الثورة من الداخل، مما أوجد فراغاً في هذه الجبهة سعت بريطانيا إلى ملئه فوراً، حماية لآبار النفط في باكو وما حولها، إلا أن القوات العثمانية مع حلفائها الألمان كان لها السيطرة على أرض الواقع، حيث تمكنت من بسط السيطرة علي باكو، وبعدها صار إقليم ما وراء القوقاز كله في قبضة الدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا، إلا أن هزائم دول المحور دفع بالدولة العثمانية –بعد توقيعها معاهدة مودروس عام 1918 م – تحت الضغط البريطاني إلى الانسحاب من منطقة القوقاز، ليعود لبريطانيا النفوذ في تلك المنطقة، ونتيجة للأوضاع الاقتصادية والإستراتيجية لبريطانيا –المرتبطة بنفط باكو – انتهجت سياسة موالية لأذربيجان، وزودتها بالدعم اللازم لإلحاق ناغورنو كاراباخ بها على حساب الأرمن.

الاتحاد السوفياتي

بعد انحسار الدور البريطاني في القوقاز بزغ تحالف سوفياتي-تركي “كمالي”، تبوأت معه كاراباخ بعداً إستراتيجيا في علاقاتها مع القوتين، وأدّى التعايش السلمي مع الزعيم التركي “كمال أتاتورك” إلى ترجيح عودة موسكو إلى جنوب القوقاز ثانيةً، فما كادت سنة 1920 تنقضى حتى أصبحت دول جنوب القوقاز الثلاث جمهوريات اشتراكية سوفياتية، وتحوّل معها ناغورنوكاراباخ من نزاع بين دولتين إلى مسألة داخلية للاتحاد السوفياتي.

فترة ستالين

كانت سياسة ستالين تقوم على سياسة بث الفرقة بين الجماعات العرقية المختلفة داخل جمهوريات الاتحاد السوفياتي لتظل تلك الأعراق بحاجة دائمة إلى حماية الحكومة المركزية في موسكو، ولأن أذربيجان وأرمينيا كانتا جمهوريتين تابعتين للاتحاد السوفياتي، فقد أقدم ستالين على ضمّ إقليم ناغورنو كاراباخ إدارياً إلى أرمينيا رغم أنه يقع في قلب أذربيجان، في المقابل فقد ضمّ ستالين إداريا منطقة ناختشيفان التي تقع جغرافيا في قلب أرمينيا وتسكنها غالبية أذرية إلى أذربيجان، وبهذا بدأ الصراع في ناغوركاراباخ في شكله الحالي.

وقد تمكن في الوقت ذاته الاتحاد السوفياتي من وقف الحرب القومية التي بدأت بين أرمينيا وأذربيجان في عام 1918، وانتهت بفرض الوفاق القومي بالقوة. ومنذ عام 1921 استندت وضعية إقليم ناغورنو كاراباخ إلى معاهدة موسكو الموقعة بين لينين وأتاتورك، وقد نصّت المعاهدة على اعتراف تركيا بالسلطة السوفياتية على إقليم كاراباخ وسيادة أذربيجان عليه، على أن يتمتع الإقليم بالحكم الذاتي.

وطوال الحقبة السوفياتية تمسك الأذريون بالمادة “78” من الدستور السوفياتي التي تحظر نقل أي جزء من أية جمهورية إلى جمهورية أخرى من دون موافقة الطرفين، للتعبير عن رفضهم التخلي عن الإقليم، في حين تسلح الأرمن بالمادة مع مجىء غورباتشوف إلى الحكم “70” من الدستور نفسه التي تدعو إلى حق تقرير بحرية لجميع الأمم، في سعيهم لضم الإقليم لأرمينيا.

ما بعد ستالين

وطوال الفترة الممتدة من مرحلة ما بعد ستالين وصولاً إلى برويسترويكا غورباتشوف لم يتوان أرمن كاراباخ بمفكريهم وأدبائهم عن إرسال المذكرات إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لإعادة النظر في موضوع كاراباخ وإلحاقه بأرمينيا السوفياتية، بالإضافة إلى برقيات الاستفسار المرسلة إلى السلطات الأذرية مستفسرة عن الاضطهادات التي يخضع لها الأرمن في الإقليم، وكانت النتيجة سلبية بالنسبة للأرمينيين، حيث يدعي الأرمن أنَّهم جوبهوا بردود عنيفة وضغط اقتصادي أذري من جهة، واغتيالات سوفياتية من جهة أخرى، وقمع لأية حركة تحرّر كانوا ينشدونها، وهذا ولد ضغطا وانتفاضة أرمينية لاحت ملامحها مع بدايات عام 1988.

انتفاضة الأرمن وانفجار النزاع

مع مجيء غورباتشوف إلى الحكم في الاتحاد السوفياتي في منتصف عقد الثمانينيات –في ظل مناخ البريسترويكا والغلاسنوست – بدأت قبضة الكرملين على الجماعات العرقية تخف شيئاً فشيئاً، وسرعان ما طفت على السطح مشكلة إقليم كاراباخ مجدداً، ففي بداية عام 1988 تقدّم أرمن كاراباخ بعريضة إلى غورباتشوف وقعها ما يربو على 75 ألف منهم، طالبوه من خلالها بعودة إقليم ناغورنو كاراباخ إلى الوطن الأم أرمينيا، ونتيجة لرفض موسكو هذه المطالب، اندلعت المظاهرات – بدءاً من 11 فبراير 1988م – في عاصمة كاراباخ ستباناكرت، كما خرج حينها أيضا عشرات الآلاف من الأرمن في مظاهرات حاشدة في العاصمة الأرمينية يريفان يطلبون دعماً رسمياً من قيادات السوفيات لاستقلال ذاتي لإقليم ناغورنوكاراباخ، دلالة منهم على الهيمنة الأرمنية السكانية في ذلك القسم من الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الأرمينية، لكن الاتحاد السوفياتي رفض ذلك الطلب، بل وفرض حكماً مباشراً هناك، في محاولة منه لاحتواء درجة القتال المتقطع الذي أدّى إلى فرار عدد كبير من الأذريين من الإقليم قُدّر عددهم بنحو 40 ألف شخص.

وفي 20 فبراير من عام 1988 اتخذ مجلس النواب الشعبي في مقاطعة كاراباخ ذات الحكم الذاتي قراراً يطالب بدمج المقاطعة مع أرمينيا، وهذا أثار الغضب لدى الأذريين، كما انسحب النواب الأذريون من المجلس احتجاجاً، وصار السكان الأذريون المحليون يتجمهرون لفرض النظام في كاراباخ، فوقعت اشتباكات بين الأرمن والأذريين، واستمرت الاضطرابات ثلاثة أيام أوقعت عشرات الضحايا من الجهتين، وانتقلت أعمال العنف بين الطرفين إلى كل من أذربيجان وأرمينيا، تسبّبت هذه الأحداث في حملات تهجير متبادلة قدرت بـ 700 ألف شخص.

وفي 23 آذار/ مارس 1988 تبنى مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفياتي قراراً يدين الموقف الأرميني إدانة عنيفة، وجرى التعامل مع لجنة كاراباخ –إحدى الحركات الأرمينية الأساسية – باعتبارها منظمة خطرة تزرع الفوضى، وإزاء ذلك راحت اللجنة تدعو إلى تنظيم مقاومة سلبية ضد موسكو، حيث بدأ الأرمن يشعرون أن الاتحاد السوفياتي لم يعد يؤدي دوره التقليدي في حمايتهم من الأتراك، لذلك فلم يعد ثمة أسباب تستوجب قبول الأرمن البقاء تحت الحكم السوفياتي، وتحولت أرمينيا فجأة من دولة مطيعة إلى أعتاب دولة تطالب بالاستقلال.

وعلى الصعيد الأذربيجاني نجد أنّ الأذريين كانوا أيضاً يشعرون بالاستياء إزاء موقف موسكو من مسألة كاراباخ، إذ عدّوا تدخل موسكو لحماية الحقوق الثقافية لأرمن كاراباخ يشكل مساسا بسيادة أذربيجان، المنصوص عليها في الدستور، كما بدأ الأذريون يفسرون هذا التدخل على أنه بمثابة تعبير عن التضامن الثقافي القائم بين الروس والأرمن، الذي يتمحور حول انتماء الفريقين إلى المسيحية، لذلك اتجه الأذريون إلى إنشاء جبهة شعبية –في تشرين الثاني / نوفمبر 1988 – تتبنى قضاياهم القومية، ولعل أخطر ما جاء في برنامج هذه الجبهة هو فتح ملف العلاقات بين أذربيجان السوفياتية وأذربيجان الإيرانية، ويتعين التنويه إلى أنّ الأذريين يقطنون منطقة إيرانية تقع على الحدود مع أذربيجان، ويبلغ عددهم في تلك المنطقة حوالي 11 مليون شخص، وقد وضحت الجبهة الشعبية ضمن برنامجها كذلك المطالبة بفتح الحدود بين أذربيجان وإيران، بغية السماح بتنمية العلاقات بين أذربيجاني أذربيجان وأبناء نحلتهم في إيران، وهكذا فقد انبعث حلم قيام أذربيجان الكبرى الموحدة، ذلك الحلم الذي طالما أزعج السوفياتيين والإيرانيين معاً.

سقوط الاتحاد السوفياتي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أعلن أرمن كاراباخ انفصالهم الكامل، وشكلوا “جمهورية كاراباخ الجبلية”، التي أرادوا أن تعترف بها الدول الأخرى بما فيها أرمينيا نفسها رغم أن البرلمان الأرميني كان أقر في العام 1989 ضرورة قيام اتحاد بين الكيانين.

كان قيام الدُّول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي يعني تأسيس جيوش لها، وبالاتفاق مع موسكو، جرى تسليم عدد كبير من أسلحة الجيش الرابع المرابط في أذربيجان للجيش الأذري الجديد، والجيش السابع في أرمينيا إلى الجيش الأرميني الجديد، وبهذا تحولت الحرب من قتال ميليشيات مسلحة إلى حرب بين دولتين كاملتي التسليح، بالرغم من ادعاء الأرمن أن ميليشيات الدفاع الكاراباخي هي وحدها التي تقاتل.

حرب قرة باغ 1992-1994

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نهاية سنة 1991 وانسحاب القوات العسكرية الروسية من أذربيجان، نجحت القوات الأرمنية جنباً إلى جنب مع قوات الدفاع الكاراباخية في ترسيخ السيطرة على الإقليم المنفصل، ,وقد أعلن إقليم قره باغ استقلاله في 12 تشرين الأول عام 1991 عن أذربيجان. إعلان الاستقلال هذا أدى إلى حرب بين أذربيجان وأرمينيا في بداية عام 1992.

احتلت القوات الأرمينية مدعومة بالميليشيات الأرمينية الكاراباخية بين سنتي 1992-1993 سبع مقاطعات من أذربيجان المجاورة لناغورنو كاراباخ، كما فرّ السكان الأذربيجان من هذه المقاطعات خوفاً على حياتهم من انتقام الأرمن.

تمكن أرمن كاراباخ من إحراز نجاحات مهمة عند بداية الحرب، حيث استولوا في فبراير 1992 على مدينة حجلي “خوجالي”، ووقعت هناك مذبحة حجلي التي وصفتها منظمة هيومن رايتس بأكبر مذبحة في تاريخ النزاع حيث قُتل 480 أذري، وقد أحدثت انتصارات الأرمن أزمة سياسية داخل أذربيجان، كما تمكن الأرمن من السيطرة على مدينة شوشا في 8-9 مايو 1992، وباتت أراضي كاراباخ كلها تحت سيطرة الأرمن، وقد شكل احتلال مدينة شوشا الخطوة الأولى في تحقيق نظرية “الطوق الأمني” حيث سعى الأرمن إلى تطويق الإقليم بمناطق تحت سيطرتهم خالية من الوجود الأذري وذلك لتأمين الإقليم عسكرياً وأمنياً. وبهذا على مدار حوالي العام أي في يوليو 1993 كان الأرمن قد سيطروا على حوالي 20% من الأراضي الأذرية بما فيها إقليم ناغورني قره باغ.

المنطقة الملونه بالبرتقالي هي الإقليم والملونه بالأحمر هي مناطق محيطه بالإقليم احتلتها أرمينيا لتأمين الإقليم عسكرياً وأمنيا، مصدر الصورة الجزيرة نت.

لم تستطع القوات الأذرية من استعادة أراضيها ولم تتمكن أيضاً أرمينيا من حسم النزاع، وفي شهر مايو من عام 1994 وُقِّعت اتفاقية وقف إطلاق النار بمدينة بيشكيك القرغيزية التي أنهت حالت الحرب، إلا أنها لم تمنع عمليات تبادل إطلاق النيران المستمرة بين الطرفين على طول خط التماس الشرقي لناغورنو كاراباخ الذي يفصل بين القوات الأرمينية والأذرية المنتشرة هناك.

نَجَمَ عن الحرب التي استمرت بين 1992-1994 خسارة أذربيجان للإقليم إضافة لِستِّ مناطق أخرى كانت تخضع لسيطرتها حوالي 20% من أذربيجان، فضلًا عن سقوط 30 ألف قتيل وتهجير ما يقرب من مليون شخص من المناطق المجاورة غالبيتهم من الأذريين.

الموقف الإيراني

تعتبر أذربيجان -ذات الأغلبية الشيعية- نموذجًا مختلفاً عن النموذج الإيراني فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة، حيث أن حوالي 80% من السكان لا يعتبرون الدين ذات أي أهمية في حياتهم لكن السكان في أغلبهم يعتبرون أنفسهم أتراك القومية (4).

المواطنون الإيرانيون الأذريون يُشكّلون حوالي 16% عدد السكّان في إيران. يشكل الأذريون-الأتراك من مواطني إيران أكبر أقلّية على الإطلاق بعد الفارسية ويتركّزون بشكل أساسي في منطقة أذربيجان في الشمال الإيراني. بسبب الهجرات المتتالية من تلك المنطقة إلى العاصمة، يُعتقد كذلك أنّ حوالي ثلث سكّان طهران أصبحوا من الأقليّة الأذرية. من الجدير ذكره أن الصفويين هم من أجبروا الفرس والأذريين على التحول للمذهب الشيعي وذلك لإبعادهم عن تبعية الدولة العثمانية (4).

حين استولى السوفييت على أذربيجان بقيت مساحات واسعة تحت الحكم الإيراني وبما أن سكان تلك المناطق من الأذريين فإن ولائهم بقي للوطن الأم أذربيجان، وهذا يشكل بحد ذاته تهديداً لإيران بالإضافة إلى كون أذربيجان مصدر مهم للطاقة ومنافس لإيران في إنتاجها.

حافظت أرمينيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية على علاقات عميقة بينهما منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من عدم وجود علاقات طبيعية، فقد تسبب التنافس بين إيران وتركيا وانعكاساته على أذربيجان بهذا “التحالف الإستراتيجى” بين يريفان وطهران. منذ سنة 1991 إلى غاية اليوم، حاولت إيران تقويض استقلال أذربيجان بطرق مختلفة، على سبيل المثال، ممارسة ضغوطات على الأقلية الأذرية التى تقطن شمال إيران، وعرقلة مشروعات أنابيب الطاقة الغربية، وانتهاك المجال الجوي الأذري، وتقديم الدعم لأرمينيا في نزاع ناغورني قره باغ.

حين حصلت أذربيجان على استقلالها من الاتحاد السوفييتي اعترفت تركيا بدولة أذربيجان بعد ثلاثة أيام، أما إيران لم تعترف بأذربيجان إلا بعد خمسة أشهر من إعلانها الاستقلال. يجب أن لا ننسى أيضاً أن أذربيجان مياله لأوروبا والولايات المتحدة وتربطها علاقات قوية مع إسرائيل.

لذلك فقد عرفت العلاقات الأذرية – الإيرانية خلال العقدين الماضيين عدم ثقة وشكاً متبادلاً وعميقاً، فأذربيجان تخشى من محاولات إيران تصدير الثورة الإيرانية وسلطة رجال الدين، أما إيران فتخشى الأقلية الأذرية وربطها بالعرق التركي وكذلك تعاون أذربيجان مع إسرائيل.

الموقف التركي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، بدأت تركيا فورًا تعزيز علاقاتها مع كل الدول ذات الأصول التركية في المنطقة، مثل (أذربيجان، وكازاخستان، وقرغيزستان، وتركمانستان، وأوزبكستان). لكن كانت علاقتها مع أذربيجان الأكثر قربا، انطلاقا من الإدراك المشترك بين الأتراك والأذر أنهما يشكلان دولتين لشعب واحد. وأيضاً تُعد تركيا شريكاً تجارياً كبيراً لهذه الدول اليوم.

وحين اندلع الصراع في ناغورني قره باغ، شكل تهديداً على الأمن القومي التركي. في البداية أخذت تركيا موقفا محايداً، لكن حينما أخذنزاع قره باغ منحى مغايرًا اتجهت تركيا لدعم الموقف الأذري. دعمت تركيا مطالب أذربيجان في المحافل الدولية، كما درّبت قواتها، ولكنها لم تتدخل بشكل مباشر أبدًا في الحرب. كما وقفت تركيا مع أذربيجان في تشديد الحصار على أرمينيا، ويساعد على توثيق العلاقات الأذرية التركية وشائج الدين واللغة، والذي يزيد من حساسية الدور التركي العداء بين الأرمن والأتراك بسبب اتهام الأرمن تركيا بارتكاب المذابح بحقهم في الحرب العالمية الأولى عندما ثاروا على الدولة العثمانية سنة 1915م. وهنا يرى الباحث إدوارد واكلر – الباحث بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية- أنّ التاريخ العدائي بين الأرمن والأذريين يقف في وجه آمال التسوية المستقبلية، فيجب ألا يغيب عنا – والكلام لواكلر – “أن الأرمن ينظرون إلى الأذريين على أنهم شركاء الدين الإسلامي واللغة والقومية التركيتين، ومن هم الأتراك؟ هم أولئك الذين تسببوا في قتل أكثر من مليون ونصف أرمني (1)، بحسب ما يزعم هذا الباحث الذي يمثل وجهة نظر الأرمن في النزاع، ففي كل وقت ومكان لا يمل الأرمن من تذكير العالم “بالمذابح الأرمنية” التي اقترفت بحقهم سنة 1915 حينما كانوا يخضعون للدولة العثمانية العليَّة.

بالإضافة إلى ذلك فإن السياسة التركية تجاه الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى عموماً وتجاه أذربيجان وطاجيكستان على وجه الخصوص تتبلور في محاولة وقف امتداد نفوذ “الأصولية الشيعية الراديكالية” في هذه الجمهوريات التي تغذيها إيران طائفياً عبر محاولة تصدير الثورة الإيرانية كما نرى اليوم في اليمن.

واستجابة لضغوطات باكو، في بداية سنة 2010 رعى مسؤولون أتراك تصديقاً من البرلمان التركي على بروتوكول إرساء علاقات رسمية دبلوماسية مع أرمينيا، وقعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2009 لأجل إحداث انفراج في الطريق المسدود لعملية السلام المتعلقة بناغورني قره باغ مع انسحاب القوات الأرمينية من سبعة مناطق من أذربيجان المجاورة لناغورني قره باغ.

تحرير المناطق المحتلة في حرب عام 1992

بناءً على ما سبق نلاحظ أنّ النزاع في إقليم ناغورني قره باغ يُعدّ أحد النزاعات المتوارثة عن حقب قديمة وظروف محلية إقليمية، بل ودولية مختلفة. هذه ما يجعل النزاع متواصل حتى اليوم. ولا يزال يأخذ تقريبا نفس الحدّة التاريخية المتوارثة بين الفينة والأخرى، وقد شهد الشهر الأخير معارك طاحنة جديدة على حدود الإقليم بين القوات الأرمنية والأذرية أسفرت عن مقتل جنود من الطرفين، وقصف نال العديد من المدن والقرى على الجانبين ويبدو أن أذربيجان جادة في سعيها لتحرير الإقليم مستفيدةً من الدعم التركي العسكر والسياسي، ومستفيدةً من تباطؤ الدعم الروسي للأرمن وانشغال الولاياة المتحدة بالانتخابات الداخلية. الدعم العسكري التركي وتقنيات الطائرات المسيَّرة التركية بيرقدار وغيرها فتحت المجال للتفوق الجوي الأذي مما جع الأذر يحققون انتصارات سريعه أدت لتحرير مدينة شوشة الاستراتيجية ومناطق أخرى من الإقليم. وحين وصل الأذر لحدود عاصمة الإقليم خانَكِندِي اضطر الأرمن للطلب من روسيا التدخل والتنازل عن المناطق التي احتلوها في الحرب السابقة بين عامي 1992 و 1994. وبهذا وقع اتفاق وقف إطلاق النار بتاريخ 10-11-2020، وأيضاً وافق الأرمن على فتح طريق آمن تربط إقليم ناختشفان الأذري المحاذي لتركيا يربطه ببقية أذربيجان.

المراجع

اترك تعليقاً